فهرس الكتاب

الصفحة 1012 من 2524

والحياتان: الأولى في الدنيا، والثانية بعد البعث. ولقد كفروا في الحياة الأولى برغم كل الدلائل على وجود الله، وعلى وحدانيته، وعلى البعث والحساب والثواب والجزاء، وأنّى للكافر أن يتّعظ ويتوب؟! مع أنه تعالى يرعاهم خير الرعاية، ويرزقهم خير الرزق! وأما المؤمن الشاكر فذلك الذي يدعوه مخلصا له دينه، وهو الله أولا وأخيرا، له الدرجات الرفيعة، والعرش العظيم؛ وهو ينزل وحيه على من يشاء من عباده ويرسله ينذر يوم التلاق: وهو اسم ليوم القيامة، سمّى كذلك لأن الناس فيه يلتقون ويبرزون، لا يخفى على الله منهم أحد، وله حينئذ الملك، وهو الواحد القهّار، لا يشاركه أحد في ملكه، وهو قهّار لأنه عزيز كما جاء في أول السورة، ويقهر بالغلبة كل ما سواه. واسم يوم القيامة أيضا: يوم الآزفة من أزف الوقت يعني قد حان، والآزفة هي الساعة قد دنت، وحينئذ يقضى الله تعالى بالحق، فهل يقضى به من يدعون دونه؟ ودلائل وجوده وقدرته تحفل بها الأرض، وكم من الأمم والأقوام كانوا أكثر قوة ولهم الآثار الجليّ، فما كان لهم من الله من واق. وتضرب السورة المثل للكفّار بموسى وقوم فرعون، فلما عتى قوم فرعون، أرسل لهم موسى، واحتمى فرعون من سلطان موسى بقومه، وانتحى الطغاة: فرعون وهامان وقارون، والأول من دهاقين أهل السياسة وطواغيتهم، والثاني من دهاقين الحرب، والثالث من دهاقين المال والاقتصاد، وبات الأمر سجالا بين الطرفين، طرف موسى يمثّل الحقّ، وطرف فرعون وهامان وقارون، وبدا كأن كفة هؤلاء الطغاة الدهاقين هي الراجحة، وبدا كأن السورة قد شحنت بالعنف والشدّة، وكأننا قد صرنا في معركة، الطعان فيها سجال، وأن الأمر وإن طال فحتما سيسفر عن نتيجة معروفة مقدما، تنتصر فيها السياسة والعسكرية والمال، إلا أن الله كان مع موسى الداعى له، وأسفرت المعركة عن مصارع الطغاة. وتدخل رجل مؤمن، يريد أن ينتصر لموسى، ويهدى قومه، ودفاع المؤمن كان خير دفاع عن قضية الحق، ونجّى الله موسى وقومه، وغرق آل فرعون فهم في النار، يعرضون عليها غدوا وعشيا إلى يوم الساعة، وفيه الناس فريقان، ففريق في النار، وفريق في الجنة، والأولون هم المستكبرون، والآخرون هم المستضعفون، وتخلص السورة إلى أن الجدل في الله يردى أصحابه، ويخاطب الله نبيّه صلى الله عليه وسلم أن يترك الجدل، وينحّيه جانبا، وأن يصرف عنه أصحابه، وأن يكونوا على اليقينبأن كل البراهين تثبت وجوده وقدرته تعالى، وهو الله الخالق الذي لا إله إلا هو، قرّ الأرض، وبنى السماء، وصوّر الناس، ورزق الطيبات، فتبارك الله. وتختتم السورة بالأمر للنبيّ صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين بالصبر، فإن وعد الله حق، وكل الأنبياء لاقوا العنت، وصبروا. وليست قصة موسى، ولا مؤمن آل فرعون إلا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت