فهرس الكتاب

الصفحة 46 من 2524

بالتفسير أو بالتأويل، وأن من الواجب علينا بإزائها أن نسلّم فيها، ونؤمن بها كما هي، ونقرأها كما علّمنا أن نقرأها. والصحيح أن هذه الحروف لها معنى، ككل شيء في القرآن، فلا يعقل أن يكون القرآن هو رسالة الله إلى الناس وتكون بعض مكوناته من الأسرار، أو محظورا تناولها بالدرس والبحث، واللافت للنظر في هذه الحروف أنها تبدأ السور التي تستفتح بآيات الله في الكون، فالحروف آيات مثل الآيات الفيزيائية في الكون، ومن الحروف يكون التعبير عن الفكر، وتكون الجمل والعبارات والأسماء والأفعال، وهي الأبنية التي تقوم عليها القراءة والكتابة، فإذا كانت الحروف تبدأ بها بعض السور فإنما للفت الانتباه إلى عظمة تأثير الحروف والكلمة في حياة البشرية والأمم والحضارات، كلفتة الانتباه إلى كافة الكائنات والموجودات في الكون كآيات وبراهين ودلائل على وحدانية الله وعلى قدرته وعلمه، ومن ثم فإنه إذا كان يقول أنه سيبعث الموتى، وستكون لهم قيامة، ويعقد لهم حسابا، وسيجازى المؤمنين المحسنين، ويعاقب الكافرين المفسدين، فهو يستطيع ذلك فعلا بما نراه وندركه من وجوه عظمته وتفرّده. ومن هذه الحروف صار الإنسان كاتبا وقارئا، وهما ما يميزانه كإنسان، وبهما صار له تاريخ، وتراكمت لديه المعارف؛ وأبدع القراءة والكتابة، وتغنّى بالكلمات والمعاني، وميز الأصوات والأشكال، فالحروف آيات، وربما لهذا كان قسمه تعالى بمعجزاته الكونية الفيزيائية، كالشمس والقمر، والليل والنهار، والأرض والسماء، والوديان والجبال، والماء والسحاب والمطر، والأنهار والبحار، وقسمه أيضا بمعجزاته الفكرية، كالقرآن وآياته فيه في مختلف العلوم والمعارف، كالطب والهندسة، والقانون، والجغرافيا، والتاريخ، والاجتماع، والسياسة، والزراعة، والصناعة، والفنون، والآداب ... إلخ.

ولاحظ بعضهم من القدامى أن اسمه تعالى «الرحمن» ، لو قطّع ثلاثة أجزاء، لكان: «الر» ، و «حم» ، و «ن» ، وهذه الأجزاء الثلاثة تبدأ بها ثلاث عشرة سورة من القرآن، منها خمس سور بداياتها «الر» ، وسبع سور بدايتها «حم» ، وسورة واحدة بدايتها «ن» .

وقال آخرون: إن الله تعالى في الآية (ن وَالْقَلَمِ وَما يَسْطُرُونَ) (1) (القلم) ضمّن النون جماع الحروف التي منها أسماء الموجودات، لأن النون حرف احتواء، وداخلها كل الموجودات في حالة إمكان. وفي التفسير الحديث لهذا الكلام القديم، أن كل موجود له شفرة أبجدية في حالة كمون، هي الشفرة الأبجدية الجينية، فيثبت بذلك أن الحروف المتقطّعة في أول السور ليست من المتشابه، ولا من المكتوم الذي لا يفسّر، ولا من المستور معانيه، اختبارا من الله، وامتحانا لعباده طلّاب العلم والعلماء، وبناء عليه فإن القول بعدم الخوض

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت