فهرس الكتاب

الصفحة 431 من 2524

هو «دليل العناية» . وتأتي آيات القرآن على ثلاثة أنواع، فإما أنها «أدلة اختراع» ، وإما أنها «أدلة عناية» وإما أنها تجمع الأمرين معا، فمن النوع الأول: قوله تعالى: (فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ مِمَّ خُلِقَ(5) خُلِقَ مِنْ ماءٍ دافِقٍ) (6) (الطارق) ، وقوله: (أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ) (17) (الغاشية) ؛ ومن النوع الثاني: قوله: (أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهادًا) (6) (النبأ) ، وقوله: (تَبارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّماءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيها سِراجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا) (61) (الفرقان) ؛ ومن النوع الثالث قوله: (وَجَعَلْنَا السَّماءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا) (32) (الأنبياء) .

ونطلق على دليل القرآن من مثل قوله تعالى: (يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ) (19) (الروم) وقوله: (وَاللهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) (78) (النحل) : «برهان ظهور الحياة في المادة» ، وهو برهان يبطل قول القائلين بقيام الكون على المادة العمياء دون غيرها، ونختصره باسم «برهان الحياة» . ونطلق على الدليل من مثل قوله تعالى: (جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجًا وَمِنَ الْأَنْعامِ أَزْواجًا) (11) (الشورى) ، وقوله: (وَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ) (7) (ق) : «برهان التناسل بين الأحياء لدوام البقاء» ، ونختصره باسم «برهان النسل» .وينبّه القرآن إلى صورة الإنسان نفسه، وهي أكبر حجة لله على خلقه، وأقرب وأوضح وأصحّ الأدلة. والقرآن على القول بأن طريق معرفة وجود الله عند الإنسان هو السمع والعقل معا، فالإيمان يكفى فيه أن يتلقى الناس بالسمع عن صاحب الشرع، وأن يؤمنوا به، وأما من يشاقق في الشرع فله طريق العقل، وبالعقل عرف العرب قبل الإسلام أن الله موجود، يقول تعالى: (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللهُ) (25) (لقمان) ، وقولهم هذا نسميه «الدليل البديهى» ، فالله تعالى لا يحتاج إلى البرهنة على وجوده، والإيمان به فطرة، والعلم بوجوده علم بديهى، والإنسان على العهد بأنه كلما أصابته مصيبة أظهرت عجزه، فإنه ينطق تلقائيا بالدعوة إلى الله يتضرع إليه. والمؤمنون لا يعتمدون على العقل ولا النقل ليؤمنوا بالله، فالإيمان بوجوده تعالى يلقى في القلب، ويعيه العقل عند ما يتجرّد الإنسان من عوارض الشهوة، وفي القرآن أمثلة على ذلك كثيرة، كقوله: (إِنْ تَتَّقُوا اللهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقانًا) (29) (الأنفال) والمركوز في الإنسان أنه لكي يصحّ اجتماعه فلا بد من الأخذ بالجزاء والعقاب، والاعتقاد بالآخرة والبعث والحساب، وذلك وازع لنفسه يكبحها عن الشر والفساد، ويوجهها للصلاح، ويحول بينها وبين العدوان، وما لم يعتقد الإنسان بوجود الله فلن يكون اجتماع ولا حضارة، ولن تكون مدنية، ولن تستقيم المعاملات، ولا تخلص النوايا بين الناس والشعوب، ونسمى ذلك «البرهان

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت