كأبناء الحرّة، والأمة المقصودة هي هاجر، والحرّة هي سارة، ولا تحفل الأناجيل الأربعة، ولا رسائل الرسل، بإثبات وجود الله، ولم يوجد كتاب، سواء في اليهودية أو في النصرانية، كان شغله الشاغل، وهمّه المقيم إثبات وجود الله، والبرهنة على وحدانيته، إلا القرآن، ويحفل لذلك بالأدلة والحجج على أنه تعالى الواحد الأحد الذي لا شريك له، وكان شعار القرآن: «لا إله إلا الله» ، خلاصة لما دعا إليه، وناقشته آياته، وطرحته قضاياه. ويجمع هذه الأدلة والحجج ما يسمى «براهين وجود الله» ، ومنها: «برهان الخلق والإبداع» ، و «برهان القصد والنظام» ، «وبرهان الكمال أو الاستعلاء، أو برهان المثل الأعلى، وكلها براهين قرآنية محضة؛ تسوقها آيات القرآن كي لا يكون للناس على الله حجة من بعد، وكى لا يحاجّوا في الله حججهم الداحضة.
فأما الآيات التي يقوم بها «دليل الخلق وبرهان الإبداع» ، فمنها، كمثال، قوله تعالى: (وَمِنْ آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوانِكُمْ) (22) (الروم) ، وقوله: (أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهادًا(6) وَالْجِبالَ أَوْتادًا (7) وَخَلَقْناكُمْ أَزْواجًا (8) وَجَعَلْنا نَوْمَكُمْ سُباتًا (9) وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِباسًا (10) وَجَعَلْنَا النَّهارَ مَعاشًا (11) وَبَنَيْنا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدادًا (12) وَجَعَلْنا سِراجًا وَهَّاجًا (13) وَأَنْزَلْنا مِنَ الْمُعْصِراتِ ماءً ثَجَّاجًا (14) لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَباتًا (15) وَجَنَّاتٍ أَلْفافًا) (16) (النبأ) ، وقوله: (وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْها وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) (21) (الروم) ، وعشرات الآيات غيرها، وكلها براهين وأدلة وحجج على وجود الله، وتزيد على المائتي آية، وبعضها أدلة فيها التحدّي والسخرية من المكذّبين، كقوله: (أَفَرَأَيْتُمْ ما تُمْنُونَ(58) أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخالِقُونَ) (59) (الواقعة) ، وقوله: (أَتَدْعُونَ بَعْلًا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخالِقِينَ) (125) (الصافات) ، وقوله: (أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ) (16) (الرعد) ، وقوله: (أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ) (17) (النحل) ، وقوله: (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللهُ) (61) (العنكبوت) .
ونخلص من القرآن إلى أن الله تعالى قد أبدع الإنسان والكون، وكل مخترع (بفتح الراء) لا بد له من مخترع (بكسر الراء) من قبل غيره بالضرورة، وكل مخترع له نظامه ونسقه وطريقة عمله وتشغيله، والإنسان والكون كالمخترعات، غير أن الحياة تدبّ فيهما، وهي لذلك موجودات وليست مخترعات، وكل موجود لا بد له من موجد (بكسر الجيم) ، كما أن كل محدث لا بد له من محدث، وذلك هو دليل الاختراع أو الإيجاد، والله تعالى لم يخلق ما خلق وتركه دون سند، وإنما أضفى عليه من عنايته، وتعهده ورعايته، وذلك