سمت الكعبة ولم يقل أحد بأن صلاة أحدهما صحيحة والأخرى باطلة ولو قيل ذلك لكان ترجيحا من غير مرجح فإنه ليس إحداهما أولى من الأخرى بالبطلان فهذه أمور مجمع عليها كلها وجميعها يقتضي الإشكال على هاتين القاعدتين
الجواب عنه وهو سر الفرق ما كان يذكره الشيخ عز الدين بن عبد السلام رحمه الله تعالى بعد أن كان يورد هذا الإشكال فلا يجيبه أحد عنه فكان يقول الشيء قد يجب إيجاب الوسائل وقد يجب إيجاب المقاصد فالأول كالنظر في أوصاف المياه فإنه واجب وجوب الوسائل فإنه يتوسل به إلى معرفة الطهورية وكالنظر في قيم المتلفات فإنه وسيلة إلى معرفة قيمة المتلف وكالسعي إلى الجمعة واجب لأنه وسيلة إلى إيقاعها في الجامع وكذلك السفر إلى الحج وهو كثير في الشريعة ومثال ما يجب وجوب المقاصد الصلوات الخمس وصوم رمضان والحج والعمرة والإيمان والتوحيد وغير ذلك مما هو واجب لأنه مقصد لنفسه لا لأنه وسيلة لغيره إذا تقررت هذه القاعدة فاختلف الناس في الجهة هل هي واجبة وجوب الوسائل وأن النظر فيها إنما هو لتحصيل عين الكعبة وهو مذهب الشافعي رحمه الله وإذا أخطأ في الجهة وجبت الإعادة لأن القاعدة أيضا أن الوسيلة إذا لم يحصل مقصدها سقط اعتبارها والنظر في الجهة واجب وجوب المقاصد
هامش أنوار البروق
القول بالجهة من الإجماع على صحة صلاة الصف المستقيم الطويل وما في معناه من الموضعين المتحاذيين أو المواضع ويرجح أيضا بأن التوصل إلى تحقيق الجهة متيسر على المكلفين أو أكثرهم بخلاف التوصل إلى تحقيق السمت والحنيفية سمحة ودين الله يسر قال وثانيها أن الصف الطويل أجمع الناس على صحة صلاته إلخ قلت هو أقوى حجج القائلين بالجهة
هامش إدرار الشروق
عنهما قال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال البيت قبلة لأهل المسجد والمسجد قبلة لأهل الحرم والحرم قبلة لأهل الأرض فقال الترمذي تفرد به عمر بن حفص وهو ضعيف لا يحتج به والحمل فيه عليه ا هـ
وإنما الخلاف فيمن بعد عن الكعبة بأن كان بغير مكة هل فرضه استقبال السمت كالمعاين أو فرضه استقبال الجهة قولان في المذهب وخارجه ويرجع للثاني أمران أحدهما أن الأول وإن كان ظاهر المنقول عن القائلين به أنهم لا يريدون بذلك أن المستقبل للكعبة فرضه استقبال عينها ومعاينتها حتى يقال إنه من تكليف ما لا يطاق ولا قائل به وإنما يريدون أن فرضه أن يكون بحيث لو قدر خروج خط مستقيم على زوايا قائمة من بين عينيه نافذا إلى غير نهاية لمر بالكعبة قاطعا لها إلا أنه يلزم من هذا الذي يظهر أنه مرادهم تكليف ما لا يطاق إذ فيه تكليف السمت والمعاينة مع عدمها بخلاف القول بالجهة فإنه ليس فيه ذلك وإنما فيه التكليف بتحقيق الجهة والتوصل إليه متيسر على جميع المكلفين أو أكثرهم
وثانيهما إجماع الناس على صحة صلاة الصف المستقيم الطويل الذي طوله مائة ذراع فأكثر وصحة صلاة ما في معناه من الموضعين المتحاذيين أو المواضع مع أن بعض الصف وأحد الموضعين أو المواضع