العصر فلضرورة الحجاج في ذلك اليوم للإقبال على الدعاء والابتهال والتقرب اللائق بعرفة وهو يوم لا يكاد يحصل في العمر إلا مرة بعد ضنك الأسفار وقطع البراري والقفار وإنفاق الأموال من الأقطار البعيدة والأوطان النائية فناسب أن يقدم هذا على مصلحة وقت العصر ويكون هذا ضررا يوجب التقديم كما يوجب فوات الزمان التقديم في حق المسافر يجمع بين الصلاتين بل هذا أعظم من فوات الزمان لأن الإنسان يمكنه أن لا يسافر أو يسافر معه رفقة موافقين على النزول في أوقات الصلوات فهو ضرر يمكن التحرز منه من حيث الجملة أما مصالح الحج فأمر لازم للعبد ولا خروج له عنها ولا يمكن العدول عنها إلى غيرها فهذا جواب يمكن أن يقال في جمع عرفة دون جمع ليلة المطر
وأما جمع المسافر والمريض إذا خاف الغلبة على عقله آخر الوقت فهو متعين لدفع الضرر بخلاف جمع المطر لم يتعين ترك الواجب لدفع الضرر ولو لم يجمع المسافر والمريض ضاع الواجب آخر الوقت وهو الصلاة الأخيرة بغيبة العقل وضرورة المرض أو دخل الضرر بفوات الرفاق والجمع ليلة المطر لو ترك إنما يفوت المندوب الذي هو الجماعة
وأما
هامش أنوار البروق
ترك الواجب في حال شرعية الجمع فليس تأخير الصلاة إلى وقتها بواجب فلم يترك واجبا بل صارت الأخيرة في هذه الحال من الواجب الموسع بالنسبة إلى وقتها ووقت الأولى ومن فعل الواجب الموسع في أول أجزاء وقته الموسع لم يترك واجبا أصلا وإنما السبب فيما ارتكبه ذهاب الوهم إلى أن تأخير الصلاة إلى وقتها واجب على الإطلاق وأن تأخير الصلاة هو بعينه الواجب وليس تأخير الصلاة إلى وقتها واجبا على الإطلاق ولا هو بعينه الواجب أما كونه ليس واجبا على الإطلاق فلما قد سبق بيانه
وأما كونه ليس هو بعينه الواجب فلأن الواجب إنما هو الصلاة والتأخير والتقديم أمران إضافيان فمتى نسب الوجوب إلى التأخير أو إلى التقديم فليس على ظاهره بل المقصود بوجوب التأخير وجوب فعل الصلاة مؤخرة وبوجوب التقديم وجوب فعلها مقدمة وإذا كان الأمر كذلك فلا يخفى على من فهم شيئا من مقاصد الشرع أن المكلف في حال المطر مخير بين إيقاع صلاة العشاء مقدمة قبل وقتها المحدود لها في غير هذه الحال إيثارا لإحراز فضيلة الجماعة وبين إيقاعها فذا في
هامش إدرار الشروق
ضاع بالمندوب الذي هو وصف الجماعة لما يلحق الجماعة من الضرر الحاصل إما بخروجهم من المسجد إلى بيوتهم وعودهم لصلاة العشاء وإما بإقامتهم في المسجد حتى يدخل وقت العشاء ويصلوها لا نسلم أن هذا الضرر لا يندفع إلا بالجمع لجواز دفعه بغيره أيضا وهو تفويت فضيلة الجماعة بأن يخرجوا الآن ويصلوا في بيوتهم أفذاذا فقد تعارض واجب ومندوب في دفع هذه الضرورة عن المكلف والمعهود في الشريعة أن محل دفع الضرر بترك الواجب وتقديم المندوب عليه إذا تعين ذلك طريقا لدفع الضرر وإلا وجب تقديم الواجب وترك المندوب على القاعدة
وأما ثالثا فلأنا ولو سلمنا أنه مع هذا التعارض وعدم تعين ترك الواجب طريقا لدفع الضرر ولا يجب تقديم الواجب مطلقا لأن المندوبات قسمان قسم تقصر مصلحته عن مصلحة الواجب
وهذا هو الغالب فإن أوامر الشرع تتبع المصالح الخالصة أو الراجحة ونواهيه تتبع المفاسد الخالصة أو الراجحة حتى يكون أدنى رتب المصالح والندب يترتب عليه الثواب ثم