فهرس الكتاب

الصفحة 398 من 1743

من التأمل لمعاني القراءة والاتعاظ بوعيدها ووعدها والتفكير في معانيها على اختلافها مع حسن الإقبال على الله تعالى بالمناجاة وهذه الأحوال لا تناسب الركوع والسجود لضيق النفس وضجرها في حالة الانحناء وانحصار الأعضاء وحبس النفس فتناسب المنع من القراءة في هذين الموطنين ولأن القراءة لما عين لها موطن ناسب أن تعين بقية المواطن لغيرها من الثناء المحض والدعاء المحض فإن القراءة قد لا تكون ثناء ولا دعاء فتشتمل الصلاة على جميع أنواع القربات ولا تختص بنوع معين فتكون حينئذ أفضل الأعمال كما جاء في الحديث أفضل أعمالكم الصلاة وهذه المواطن الثلاث مناسبة كل واحد منها لما وضع فيه فالقراءة في القيام للتمكن والدعاء في السجود لفرط القرب والثناء عليه لأنه عادة الملوك وأما كون الركوع لا يتقرب به وحده بخلاف السجدة الواحدة فإنها شرعت قربة في التلاوة وشكر النعم عند من يرى سجدة الشكر فإن الشافعي رضي الله عنه يراها دون مالك فوجه المناسبة في المنع من التقرب بالركوع وحده لم أقف فيه على شيء ولا يبعد أنه تعبد وكذلك أركان الحج التي لا يتقرب بها منفردة الغالب عليها التعبد بخلاف الطواف فإنه شرع قربة وحده دون السعي فإنه لا يشرع قربة وحده وإن كان قد اشترط مع الطواف صلاة ركعتين

هامش إدرار الشروق

والثاني من انحصار الأعضاء وحبس النفس وذلك لا يناسب أحوال القراءة كما أنه إنما جعل الدعاء في السجود لما فيه من فرط القرب والثناء في الركوع لأنه وسيلة للدعاء ولجريانه على عادة الطلب من الملوك كما علمت ومنها الصوم والصلاة كل واحد منهما طلب التقرب منه منفردا ولم يطلب الجمع بينهما لقاعدتين الأول أنه إذا نذر أن يصلي صائما لم يلزمه ذلك والقاعدة الثانية أن النذر لا يؤثر إلا في مندوب فلما لم يؤثر النذر في وجوب الصوم مع الصلاة كما أثر في وجوبه مع الاعتكاف إذا نذره دل ذلك على أنه ليس بمطلوب مع الصلاة

وإن كان كل واحدة منهما مطلوبا في نفسه وأنه مطلوب مع الاعتكاف فمن هنا ظهر صحة قول القائل لو لم يكن الصوم شرطا في الاعتكاف لما كان شرطا له بالنذر كالصلاة لكنه إذا نذر أن يعتكف صائما لزمه ذلك ووجب الصوم فافهم وأما أمثلة قاعدة ما يطلب جمعه دون افتراقه فمنها الركوع مع سجدتين في الصلاة فإن ذلك مطلوب الجمع ولم يشرع التقرب بأحدهما منفردا قال الأصل ما معناه لأنه لم يشرع قربة إلا السجدة الواحدة في التلاوة وكذا في شكر النعم عند الشافعي دون مالك ولم أقف على وجه المناسبة في المنع من التقرب بالركوع وحده ولا يبعد أنه تعبد ومنها الوقوف بعرفة مع رمي الجمار كل واحد مطلوب مع الآخر وليس مطلوبا منفردا ومنها السعي مع الطواف في حج أو عمرة قربة وليس هو بانفراده قربة ومنها الحلاق مع الحج أو العمرة قربة وليس هو بانفراده قربة

قال الأصل والغالب على أركان الحج التي لا يتقرب بها منفردة أي كالوقوف بعرفة والسعي وكذا الحلاق على القول بركنيته التعبد بخلاف الطواف فإنه شرع قربة وحده وإن كان قد اشترط معه صلاة ركعتين

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت