ذلك فقد ورد النهي عن الجمع بينهما بقوله عليه السلام نهيت أن أقرأ القرآن راكعا أو ساجدا عكس ما ورد في الدعاء مع السجود وقوله عليه السلام أما الركوع فعظموا فيه الرب وأما السجود فأكثروا فيه من الدعاء فعسى أن يستجاب لكم
القسم الثالث ما يطلب جمعه دون افتراقه فكالركوع مع سجدتين في الصلاة فإن ذلك مطلوب الجمع ولم يشرع التقرب بأحدهما منفردا وكالوقوف بعرفة مع رمي الجمار كل واحد منهما مطلوب مع الآخر وليس مطلوبا منفردا وكالحلاق مع الحج أو العمرة ليس قربة على انفراده والجمع بينهما قربة ونحو ذلك مما يدل الاستقراء عليه فهذا تمثيل هذه الأقسام وأما وجه المناسبة في هذه المواطن باعتبار هذه الأحكام فقد يحصل وقد لا يحصل فيكون ذلك تعبدا لا يطلع على حكمته فالإيمان لما كان الأصل في كل تقرب اشترط جمعه ليتحقق التقرب فإن التقرب بالعبادة فرع التصديق بالآمر بها والجمع بين الفرع وأصله مناسب وأما الدعاء مع السجود والثناء مع الركوع فمبني على قاعدة وهي أن الله تعالى أمر عباده أن يتقربوا إليه على حسب ما جرت العادة به مع الأماثل والملوك والأكابر فإن الطاعات كلها والمعاصي كلها نسبتها إلى الله تعالى نسبة واحدة لا تزيده الطاعات ولا تنقصه المعاصي وإنما أمر عباده لتظهر منهم الطاعة على حسب ما جرت العادة به مع الأكابر ولذلك لما كان السجود في العبادة أبلغ من الركوع قال عليه السلام أقرب ما يكون العبد من ربه إذا كان ساجدا وكان بذل الدينار أفضل من بذل الدرهم في
هامش إدرار الشروق
الأول أن القاعدة لما تقررت بأن الله تعالى أمر عباده أن يتقربوا إليه على حسب ما جرت العادة به مع الأماثل والملوك والأكابر إذ نسبة كل من الطاعات والمعاصي إلى الله تعالى واحدة لا تزيده الطاعات ولا تنقصه المعاصي وقد جرت عادة الناس مع من ذكر أن يقدموا الثناء عليهم قبل الطلب منهم تطييبا لقلوبهم واستعطافا لأنفسهم ناسب جعل الله سبحانه وتعالى الثناء والتمجيد له في الركوع وجعل الدعاء في السجود بعد الثناء
والوجه الثاني أنه لما كان السجود في العبادة أبلغ شرعا من الركوع كما أن بذل الدينار صدقة أبلغ في العادة من بذل الدرهم وأبلغية السجود لأمرين أحدهما الإفراط في القرب من الرب تعالى قال عليه السلام أقرب ما يكون العبد من ربه إذا كان ساجدا
وثانيهما أنه أشق من الركوع لما سيأتي وارتكاب الأشق في تحصيل المأمور به يدل على المبالغة في الطواعية فيكون موجبا لمزيد الأجور قال عليه السلام أفضل العبادة أحمزها أي أشقها وكان الدعاء مخ العبادة وهو الأصل في الطلب والثناء وسيلة إليه حتى سمي دعاء في قوله صلى الله عليه وسلم أفضل الدعاء دعاء يوم عرفة وأفضل ما قلته أنا والنبيون من قبلي لا إله إلا الله فقد سئل عنه سفيان بن عيينة فقيل له هذا الثناء فأين الدعاء فأنشد أبيات أمية بن أبي الصلت الثقفي وهي أأطلب حاجتي أم قد كفاني حياؤك إن شيمتك الحياء إذا أثنى عليك المرء يوما كفاء من تعرضك الثناء