جهة أنه مباح والمطلوب في الشريعة قسمان نواه وأوامر فالنواهي لا يحتاج فيها إلى النية شرعا بل يخرج الإنسان من عهدة المنهي عنه بمجرد تركه وإن لم يشعر به فضلا عن القصد إليه نعم إن نوى بتركها وجه الله العظيم حصل له الثواب وصار الترك قربة
وأما الأوامر فقسمان أيضا
منها ما تكون صور أفعالها كافية في تحصيل مصالحها فلا يحتاج إلى النية كدفع الديون ورد المغصوب ونفقات الزوجات والأقارب وعلف الدواب ونحو ذلك فهذا القسم مستغن عن النية شرعا فمن دفع دينه غافلا عن قصد التقرب به أجزأ عنه ولا يفتقر إلى إعادته مرة أخرى نعم إن قصد في هذه الصور كلها امتثال أمر الله تعالى حصل له الثواب وإلا فلا
هامش أنوار البروق
ليستا من فعلنا ولا من كسبنا بل حكمان شرعيان والأحكام الشرعية صفة الله تعالى وكلامه ليست مفوضة للعباد فكيف صحت النية في الأحكام والجواب عنه أن النية تتعلق بغير المكتسب تبعا للمكتسب أما استقلالا فلا قلت ماذا يريد بقوله أنا ننوي للفرض والنفل أيريد أنا نقصد جعل الفرض فرضا والنفل نفلا أم يريد أنا نقصد إيقاع الصلاة التي هي فرض أو الصلاة التي هي نفل فإن أراد الأول فذلك ليس لنا ولا أمرنا بأن ننويه ولا يصح ذلك لا بحكم التبع ولا بغير ذلك من الوجوه وإن أراد أنا نقصد إيقاع الصلاة التي هي فرض أو نفل فليس في هذا تعلق نيتنا بالفرضية والنفلية وإنما تعلقت بالصلاة التي من صفتها الفرضية أو النفلية وذلك الذي هو من فعلنا وأمرنا بأن ننويه
قال وبهذا نجيب عن سؤال صعب وهو أن الإمام ينوي الإمامة في الجمعة وغيرها مع أن فعل الإمام مساو لفعل المنفرد وإذا لم تكن الإمامة فعلا زائدا فهذه نية بلا منوي فلا تتصور والجواب عنه أن متعلق النية كونه مقتدى به وهذا وإن لم يكن من فعله لكن صحت نيته تبعا لما هو من فعله قلت أليس تعيينه نفسه للاقتداء به وتقدمه لذلك من فعله فذلك هو متعلق نيته وسهلت الصعوبة والحمد لله
وصل في أربع مسائل تتعلق بهذا الفرق المسألة الأولى متعلق النية في مطلق الصلاة إنما هو إيقاعنا الصلاة التي هي فرض أو نفل وهي من فعلنا وأمرنا بأن ننويه لا أن متعلقها الفرضية أو النفلية بأن نقصد جعل الفرض فرضا والنفل نفلا إذ ليس لنا ذلك ولا أمرنا بأن ننويه بل لا يصح ذلك لا بحكم التبع للمكتسب لنا ولا بغير ذلك من الوجوه خلافا للأصل وكذلك متعلق نية الإمام في الجمعة وغيرها إنما هو تعيينه نفسه للاقتداء به وتقدمه لذلك وهو من فعله لا الإمامة حتى يقال لم تكن فعلا زائدا على فعل المنفرد بل فعل الإمام مساو لفعل المنفرد وكيف تتصور نية بلا منوي ولا داعي للجواب عنه بأن متعلقها كونه مقتدى به وصحت نيته مع أنه لم يكن من فعله تبعا لما هو من فعله فافهم
هامش إدرار الشروق
بذلك من عهدة الأمر بحيث لا يتوجه إليه الطلب به بعد لا في الدنيا ولا في الآخرة وإن عري عن نية التقرب إلى الله تعالى بالأداء كدفع الديون ورد المغصوب ونفقات الزوجات والأقارب وعلف الدواب ونحو ذلك بل لا مانع من أن يثاب في هذه الصورة مع عدم نية التقرب إذ يكفيه من النية كونه قصد مجرد الأداء على الصحيح كما يشهد له سعة باب الثواب خلافا للأصل
القسم الثاني ما لا تكون صورة فعله كافية في تحصيل مصلحته بل يتوقف تحصيل مصلحته والخروج من عهدة الأمر به على نية امتثال أمر الله تعالى في أدائه كالعبادات فإن الصلاة شرعت لتعظيم الرب تعالى وإجلاله والتعظيم إنما يحصل بالقصد ألا ترى أنك لو صنعت ضيافة لإنسان فأكلها غيره من غير قصدك لكنت معظما للأول دون الثاني بسبب قصدك فما لا قصد فيه ولا تعظيم فيه فكل عبادة يشترط فيها القصد لأنها إنما شرعت لتعظيم الله تعالى فظهر من هذا كله ضابط ما تمكن فيه النية وما لا