ثم أخبر عن الاستبشار بفضل الملك الغفار بقوله تعالى: {يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ} [آل عمران: 171] ، والإشارة في الآيات: إن الشهداء الذين استشهدوا في طلب الحق بسيف الصدق، يستبشرون عند فناء البشرية بنعمة من الله وهي البقاء ببقاء الإلوهية؛ لأنه قال تعالى: {بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ} [آل عمران: 171] لا من الجنة وغيرها، {وَفَضْلٍ} [آل عمران: 171] ؛ أي: إعطائهم هذه النعمة إنما كان بفضل منه لا بمجازاة أعمالهم على الحقيقية؛ لأن المجازاة إنما تكون بالأمثال والأضعاف، كقوله تعالى: {مَن جَآءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا} [الأنعام: 160] ، و {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى: 11] ، فاعلم جدًّا {وَأَنَّ اللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ} [آل عمران: 171] ؛ يعني: إذا أعطاهم نعمة البقاء بفضل منه لا مجازاة أعمالهم فلا يضيع أجر أعمالهم، فيجازيهم بالجنة ونعيمها {جَزَآءً بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} [السجدة: 17] ، كما قال تعالى: {لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ} [يونس: 26] ؛ الحسنى: عفي الجنة، والزيادة هي: النعمة التي من فضل الله وفضل الله منه.
ثم وصفهم وقال تعالى: {الَّذِينَ اسْتَجَابُوا للَّهِ} [آل عمران: 172] عند الميثاق الأول، إذ قال: {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ} [الأعراف: 172] فأجابوه: {قَالُواْ بَلَى} [الأعراف: 172] ، أقررنا بالربوبية والوحدانية، {وَالرَّسُولِ} [آل عمران: 172] ، فأجابوه بقبول دعوة أتباعه في أخذ ما أتاهم وانتهاء ما نهاهم عنه، {مِن بَعْدِ مَآ أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ} [آل عمران: 172] ؛ أي: جراحة المفارقة من حظائر القدس وجوار رب العالمين، فإن الخلائق استجابوا لله عامتهم إذ