عَلَى وَجْهِهَا مُلَاحِظًا فَوَائِدَهَا ، وَعَلَى الْمُؤْمِنِ غَيْرِ الذَّكِيِّ أَنْ يُسَلِّمَ أَمْرَ رَبِّهِ بِهَا تَسْلِيمًا وَإِنْ لَمْ تَظْهَرْ لَهُ فَائِدَتُهَا فِي الدُّنْيَا اكْتِفَاءً بِأَنَّ اللهَ تَعَالَى يَعْلَمُ مِنْ ذَلِكَ مَا لَا يَعْلَمُ هُوَ .
وَهَا هُنَا أُنَبِّهُ وَأُذَكِّرُ الْقَارِئَ لِهَذَا التَّفْسِيرِ بِأَنَّ مِنْ أَظْهَرِ مَا تُفَضَّلُ بِهِ هِدَايَةُ الْوَحْيِ مَا هُوَ صَحِيحٌ وَحَسَنٌ مِنْ حِكْمَةِ الْبَشَرِ: أَنَّ الْمُؤْمِنَ بِالْوَحْيِ يَتَّبَعُ هِدَايَتَهُ سَوَاءٌ أَعَلِمَ وَجْهَ الْمَنْفَعَةِ فِيهَا أَمْ لَا ، فَيَنْتَفِعُ بِهَا كُلُّ مُؤْمِنٍ ، وَأَمَّا حِكْمَةُ الْبَشَرِ فَلَا يَنْتَفِعُ بِهَا إِلَّا مَنْ فَهِمَهَا وَاقْتَنَعَ بِصِحَّتِهَا وَبِأَنَّ الْعَمَلَ بِهَا خَيْرٌ لَهُ مِنْ تَرْكِهِ .
وَالَّذِينَ يَجْهَلُونَ هَذِهِ الْمَزِيَّةَ لِهِدَايَةِ الدِّينِ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهِ يُفَضِّلُونَ هِدَايَةَ الْحِكْمَةِ وَالْبَشَرِيَّةِ عَلَيْهَا بِأَنَّ مُتَّبِعَهَا يَتْرُكُ الشَّرَّ; لِأَنَّهُ شَرٌّ ضَارٌّ ، وَيَفْعَلُ الْخَيْرَ; لِأَنَّهُ خَيْرٌ نَافِعٌ ، وَأَنَّ مُتَّبِعَ الدِّينِ يَفْعَلُ مَا لَا يُعْقَلُ لَهُ فَائِدَةٌ . وَهَذَا غَلَطٌ أَوْ مُغَالَطَةٌ; فَإِنَّ الدِّينَ قَدْ جَاءَ بِالْحِكْمَةِ مُؤَيِّدَةً لِلْكِتَابِ كَمَا قَالَ: (يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ) (2: 129) فَمَنْ جَمَعَ بَيْنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ فَهُوَ الْمُؤْمِنُ الْكَامِلُ ، وَمَنْ عَجَزَ عَنْ فَهْمِ حِكْمَةِ الْأَحْكَامِ وَالْآدَابِ فِيهِ مِنْ عَامِّيٍّ وَبَلِيدٍ أَوْ حَدِيثِ عَهْدٍ بِالْإِسْلَامِ لَمْ يَفُتْهُ وَقَدْ هُدِيَ