وفي هذا القيد: (ما استطعتم) يتجلى لطف الله بعباده , وعلمه بمدى طاقاتهم في تقواه وطاعته . وقد قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) :"إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم وما نهيتكم عنه فاجتنبوه"فالطاعة في الأمر ليس لها حدود , ومن ثم يقبل فيها ما يستطاع . أما النهي فلا تجزئة فيه فيطلب بكامله دون نقصان . ويهيب بهم إلى الإنفاق:
إِن تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً يُضَاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ (17) عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (18)
(وأنفقوا خيرا لأنفسكم) . .
فهم ينفقون لأنفسهم . وهو يأمرهم أن ينفقوا الخير لأنفسهم . فيجعل ما ينفقونه كأنه نفقة مباشرة لذواتهم , ويعدها الخير لهم حين يفعلون .
ويريهم شح النفس بلاء ملازما . السعيد السعيد من يخلص منه ويوقاه ; والوقاية منه فضل من الله:
(ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون) . .
ثم يمضي في إغرائهم بالبذل وتحبيبهم في الإنفاق , فيسمي إنفاقهم قرضا لله . ومن ذا الذي لا يربح هذه الفرصة التي يقرض فيها مولاه ? وهو يأخذ القرض فيضاعفه ويغفر به , ويشكر المقرض , ويحلم عليه حين يقصر في شكره . وهو الله !
(إن تقرضوا الله قرضا حسنا يضاعفه لكم ويغفر لكم . والله شكور حليم) . .
وتبارك الله . ما أكرمه ! وما أعظمه ! وهو ينشئ العبد ثم يرزقه . ثم يسأله فضل ما أعطاه . قرضا . يضاعفه . . ثم . . يشكر لعبده الذي أنشأه وأعطاه ! ويعامله بالحلم في تقصيره هو عن شكر مولاه . . ! يالله !!!