كما قال تعالى: (إِلاَّ مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّل اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ) ، وقال: (أُوْلَئِكَ جَزَاؤُهُم مَّغْفِرَةٌ من رَّبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا) .
فيكونُ التائبُ حينئذ ممن شاءَ اللَّهُ أن يغفرَ له.
واستدلَّ بعضُهم - وهو: ابنُ حزمٍ - بحديثِ عبادةَ هذا على أن من أذنبَ
ذنبًا ، فإنَّ الأفضلَ له أن يأتيَ الإمامَ ، فيعترفَ عنده ؛ ليقيمَ عليه الحدَّ ، حتى
يكفَّر عنه ، ولا يبقى تحتَ المشيئةِ في الخطرِ.
وهذا مبنِي على قوله: إن التائبَ في المشيئةِ.
والصحيحُ: أن التائبَ توبةً نصوحًا مغفورٌ له جزمًا ، لكن المؤمنَ يتَّهِم
توبتَه ، ولا يجزمُ بصحَّتها ، ولا بقبولها ، فلا يزالُ خائفًا من ذنبهِ وَجِلاً.
ثم إنَّ هذا القائلَ لا يرى أن الحدَّ بمجردِه كفارةٌ ، وإنما الكفارةُ التوبةُ.
فكيف لا يقتصرُ على الكفارةِ ، بل يكشفُ سترَ اللَّهِ علمِه ؛ ليقامَ عليه ما لا
يكفِّرُ عنه.
وجمهورُ العلماءِ على أنَّ من تابَ من ذنبٍ ، فالأفضلُ أن يسترَ على
نفسهِ ، ولا يقرَّ به عند أحدٍ ، بل يتوبُ منه فيما بينَه وبين اللَّه عزَّ وجلَّ.
روي ذلك عن أبي بكرٍ وعمَر وابنِ مسعودٍ وغيرِهم.
ونصَّ عليه الشافعِيُّ.
ومن أصحابهِ وأصحابِنا مَن قال: إن كان غيرَ معروفٍ بينَ الناسِ بالفجورِ
فكذلكَ ، وإن كان معلنًا بالفجورِ مشتهرًا به ؛ فالأولى أن يقرَّ بذنبه عند
الإمامِ ؛ ليطهرَه منه.
وقد رُويَ ، عن النبيّ - صلى الله عليه وسلم - ، أنه قال لمعاذٍ:
"إذَا أحدثتَ ذنبًا فأحدِثْ عنده توبة ، إن سرًّا فسرًّا ، وإن علانية فعلانية".
وفي إسنادِه مقالٌ.
وهو إنما يدلُّ على إظهارِ التوبةِ ، وذلك لا يلزمُ منه طلبُ إقامةِ الحدّ.
وقد وردت أحاديثُ تدل على أنَّ من سترَ اللَّهُ عليه في الدنيا ، فإنَّ اللَّه