فصل: قلت: هذا الباب والذي قبله يدل على أن الناس يحشرون حفاة عراة غرلاً أي غير مخنوتين كما بدأنا أول خلق نعيده . قال العلماء: يحشر العبد غداً وله من الأعضاء ما كان له يوم ولد ، فمن قطع منه عشو يرد في القيامة عليه حتى الختان.
وقد عارض هذا الباب ما روى أبو داود في سننه ، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه لما حضرته الوفاة دعا بثياب جدد فلبسها وقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن الميت يبعث في ثيابه التي دفن فيها . قال أبو عمر بن عبد البر: وقد احتج بهذا الحديث من قال: إن الموتى يبعثون جملة على هيئاتهم . وحمله الأكثر من العلماء على الشهيد الذي أمر أن يزمل في ثيابه ويدفن فيها ولا يغسل عنه دمه ولا يغير عليه شيء من حاله بدليل حديث ابن عباس وعائشة رضي الله عنهما . قالوا: ويحتمل أن يكون أبو سعيد سمع الحديث في الشهيد فتأوله على العموم ، والله أعلم.
قلت: ومما يدل على قول الجماعة مما يواقف حديث عائشة وابن عباس قوله الحق: ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة وقوله: كما بدأكم تعودون ولأن الملابس في الدنيا أموال ولا مال في الآخرة زالت الأملاك بالموت وبقيت الأموال في الدنيا وكل نفس يومئذ ، فإنما يقيها المكاره ما وجب لها بحسن عملها أو رحمة ميتدأة من
الله عليها . فأما الملابس فلا غنى فيها يومئذ إلا ما كان من لباس الجنة على ما تقدم في الباب قبل.
وذهب أبو حامد في كتاب كشف علوم الآخرة إلى حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: بالغوا في أكفان موتاكم فإن أمتي تحشر بأكفانها وسائر الأمم عراة ورواه أبو سفيان مسنداً.