فصل: وتكلم العلماء في حكمة تقديم إبراهيم عليه السلام بالكسوة فروي أنه لم يكن في الأولين والآخرين لله عز وجل عبد أخوف من إبراهيم عليه السلام ، فتعجل له كسوته أماناً له ليطمئن قلبه ، ويحتمل أن يكون ذلك لما جاء به الحديث من أنه أول من أمر بلبس السراويل إذا صلى مبالغة في التستر ، وحفظاً لفرجه من أن يماس مصلاه ففعل ما أمر به فيجزى بذلك أن يكون أول من يستر يوم القيامة ، ويحتمل أن يكون الذين ألقوه في النار جردوه ونزعوا عنه ثيابه على أعين الناس كما يفعل بمن يراد قتله ، وكان ما أصابه من ذلك في ذات الله عز وجل فلما صبر واحتسب وتوكل على الله تعال دفع الله عنه شر النار في الدنيا والآخرة ، وجزاه بذلك العرى أن جعله أول من يدفع عنه العرى يوم القيامة على رؤوس الأشهاد ، وهذا أحسنها ، والله أعلم.
وإذا بدئ في الكسوة بإبراهيم وثنى بمحمد صلى الله عليه وسلم أوتي محمد بحلة لا يقوم لها البشر لينجبر التأخير بنفاسة الكسوة ، فيكون كأنه كسي مع إبراهيم عليهما السلام
قاله الحليمي . وقوله تجدون على أفواهكم الفدام ، الفدام: مصفاة الكوز والإبريق قاله الليث . قال أبو عبيد يعني أنهم منعوا الكلام حتى تتكلم أفخاذهم فشبه ذلك بالفدام الذي يجعل على الإبريق . قال سفيان: وفدامهم أن يؤخذ على ألسنتهم وهذا مثل .
باب منه وبيان قوله تعالى: لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه
مسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: يحشر الناس يوم القيامة حفاة عراة غرلاً . قلت يا رسول الله: الرجال والنساء جميعاً ينظر بعضهم إلى بعض ؟ قال: يا عائشة الأمر أشد من أن ينظر بعضهم إلى بعض.
الترمذي عن ابن عباس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: تحشرون حفاة عراة غرلاً فقالت امرأة: أيبصر بعضنا أو يرى بعضنا عورة بعض ؟ قال: يا فلانة لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه قال حديث حسن صحيح.