وفي الآية صورة رائعة لما كان عليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من ورع وتقوى وعبادة وأخلاق كريمة سمحاء فيما بينهم، مع الشدّة والقوة والبسالة بالنسبة لأعدائهم. ومثل هذه الصورة تكررت في سور عديدة مكية ومدنية ممّا نبهنا عليه في مناسباته ومما فيه دلالة على ما كان من أثر دعوة الله وقرآنه ونبيه في هذه الفئة التي صارت بذلك مثالا نموذجيا خالدا.
ولقد روى الطبري وغيره عن ابن عباس وقتادة وعكرمة تأويلات أخرى لجملة ذلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْراةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوى عَلى سُوقِهِ من ذلك أن الكلام يتم عند جملة ذلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْراةِ فتكون الصفات السابقة لها هي مثلهم وصفاتهم في التوراة وتكون جملة وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ ... إلى آخر الجملة مستأنفة فتكون الصفات المذكورة فيها هي صفاتهم في الإنجيل. ورووا بسبيل ذلك عن ابن عباس قوله «إن نعتهم مكتوب في التوراة والإنجيل قبل أن تخلق السموات والأرض» وعن قتادة قوله «إنه مكتوب في الإنجيل: يخرج قوم ينبتون نبات الزرع فيكونون قليلا ثم يزدادون ويكثرون يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر» .
ومما رواه المفسرون عن أهل التأويل أيضا أن الصفات جميعها في صفاتهم المذكورة في التوراة والإنجيل. وما رووه أيضا أن جملة كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ ... إلى آخر الجملة هي مستأنفة أو تمثيل ثان لهم.
وأن الزرع فيها يعني محمدا صلى الله عليه وسلم وشطأه هو أبو بكر وآزره هو عمر واستغلظ هو عثمان واستوى على سوقه هو علي رضي الله عنهم. ويتبادر لنا أن في هذه الأقوال تكلفا. ونرجو أن يكون شرحنا الآنف هو الوجه الصواب إن شاء الله أي إن ما ذكر من صفاتهم قبل ذكر كلمتي التوراة والإنجيل هي مثلهم فيهما. وجملة كَزَرْعٍ مستأنفة كصفات أخرى لهم. والله أعلم.