رُوي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى قبل خروجه إلى الحديبية كأنه وأصحابه قد دخلوا مكة آمنين وقد حلفوا وقصروا ، فقص الرؤيا على أصحابه ففرحوا وحسبوا أنهم داخلوها في عامهم وقالوا: إن رؤيا رسول الله صلى الله عليه وسلم حق ، فلما تأخر ذلك قال عبد الله بن أبيّ وغيره: والله ما حلقنا ولا قصرنا ولا رأينا المسجد الحرام فنزلت {بالحق} متعلق ب {صَدَقَ} أي صدقه فيما رأى وفي كونه وحصوله صدقاً ملتبساً بالحق أي بالحكمة البالغة وذلك ما فيه من الابتلاء والتمييز بين المؤمن الخالص وبين من في قلبه مرض ، ويجوز أن يكون بالحق قسماً إما بالحق الذي هو نقيض الباطل أو بالحق الذي هو من أسمائه ، وجوابه {لَتَدْخُلُنَّ المسجد الحرام} وعلى الأول هو جواب قسم محذوف {إِن شَآءَ الله} حكاية من الله تعالى ما قال رسوله لأصحابه وقص عليهم ، أو تعليم لعباده أن يقولوا في عداتهم مثل ذلك متأدبين بأدب الله ومقتدين بسنته {ءَامِنِينَ} حال والشرط معترض {مُحَلِّقِينَ} حال من الضمير في {ءَامِنِينَ} {رُءُوسَكُمْ} أي جميع شعورها {وَمُقَصِّرِينَ} بعض شعورها {لاَ تخافون} حال مؤكدة {فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُواْ} من الحكمة في تأخير فتح مكة إلى العام القابل {فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَلِكَ} أي من دون فتح مكة {فَتْحاً قَرِيباً} وهو فتح خيبر ليستروح إليه قلوب المؤمنين إلى أن يتيسر الفتح الموعود.
{هُوَ الذي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بالهدى} بالتوحيد {وَدِينِ الحق} أي الإسلام {لِيُظْهِرَهُ} ليعليه {عَلَى الدين كُلِّهِ} على جنس الدين يريد الأديان المختلفة من أديان المشركين وأهل الكتاب ، ولقد حقق ذلك سبحانه فإنك لا ترى ديناً قط إلا وللإسلام دونه العزة والغلبة.
وقيل: هو عند نزول عيسى عليه السلام حين لا يبقى على وجه الأرض كافر.