وبعد ما نوه كتاب الله بشجاعة الإنسان وترشيح نفسه لحمل الأمانة، وقبوله لعرضها، والتزامه للقيام بحقها، أشار إلى ما يتعرض حياته من ضعف واختلال، يؤديان به إلى الانحراف والانحلال، {وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا} (28: 4) ، فيظلم نفسه ويظلم غيره، ويتصرف في شؤونه تصرف الجاهل الذي لا يميز الضار من النافع، ولا يفرق بين الصالح والطالح، ذلك قوله تعالى تعقيبا على ما سبق: {إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا} ، أما
(ظلمه) البالغ لنفسه وغيره، فلأن الأمانة هي صمام الأمان بالنسبة للفرد والجماعة، ومن خان الأمانة أفلت من يده الزمام، ولم يرع أي ذمام، وتعرض لتقلبات الدهر وعوادي الأيام. وأما"جهله"الفاضح، فلأن أبسط شيء من العلم والتجربة يقود الإنسان إلى الاقتناع بأن الأمانة هي محور الثقة التي يمكن أن يتمتع بها، وأساس السمعة الحسنة التي يحرص عليها، ومفتاح السعادة التي يطمح إليها، ومن خان الأمانة عاش في هم ونكد، وظل منبوذا من أهله وقومه طول الأمد، لكن من حسن حظ الإنسانية ما هي عليه من ازدواج وامتزاج، يعدل مزاجها، ويصلح حالها، فالظالم لا بد أن يجد من يحد من ظلمه، وهو أخوه الإنسان، الذي حمل أمانة العدل، والجاهل لا بد أن يجد من يحد من جهله، وهو أخوه الإنسان، الذي حمل أمانة العلم، {وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ} (251: 2) ، وبذلك يضيق الخناق على من خان الأمانة من الجهلة والظالمين، {إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ} (58: 8) .
ومن نتائج حمل الأمانة والوفاء بها، أو حملها وخيانتها، انقسم الناس إلى قسمين، فمن ضيعها بالمرة كان أهلا للعقاب والعذاب، ومن وفى بها كليا، التزاما بعهده ووعده، نال أجزل الثواب، ومن وفى بها جزئيا، فخلط عملا صالحا وآخر سيئا، لم يخب رجاؤه في مغفرة الله إذا تاب وأناب، وذلك ما ينطق به كتاب الله إذ يقول في ختام سورة الأحزاب المدنية: {لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ} ، والمنافقون هم