والقرآن ليس حفظاً فحسب ، إنما معايشة ، فحروف القرآن ملائكة ، لكل حرف منه ملك ، والملَك يحب مَنْ يودُّه ، فإذا كنتَ على صلة بالقرآن تكثر من تلاوته ، فكأنك تود الملائكة ، فساعة تريد استرجاع ما حفظت تراصتْ لك الملائكة ، وجرى القرآن على لسانك . فإنْ هجرْته هجرك ، وتفلَّت من ذاكرتك ؛ لذلك حذرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم من هجر القرآن ، فقال:"تعاهدوا القرآن ، فوالذي نفسي بيده لهو أشدُّ تفصياً من الإبل في عقلها".
وسبق أنْ قُلْنا: إن الذكر هو العبادة الوحيدة التي لا تكلفك شيئاً ، ولا تُعطل جارحة من جوارحك ، ولا يحتاج منك إلى وقت ، ولا إلى مجهود ، وليس له وقت مخصوص ، فمَنْ ذكر الله قائماً وذكر الله قاعداً وذكر الله على جَنْبه عُدَّ من الذاكرين - هذا بالنسبة لوضعك - ومَنْ ذكر الله بُكْرة ، وذكر الله أصيلاً ، أو غدواً وعشياً ، أصبح من الذاكرين - هذا بالنسبة للزمان .
ومن قال: سبحان الله ، والحمد لله ، ولا إله إلا الله ، والله أكبر ، ولا حْولَ ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ، ثلاثين مرة في اليوم كُتِبَ من الذاكرين ، ومَنِ استيقظ ليلاً فأيقظ أهله ، وصلَّى ركعتين فهو من الذاكرين .
إذن: فذِكْر الله مسألة سهلة تستطيع أنْ تذكر الله ، وأنت تعمل بالفأس ، أو تكتب بالقلم ، تذكر الله وأنت تأكل أو تشرب . . إلخ فذكر الله وإنْ كان أكبر إلا أنه على المؤمن سهل هَيِّن .
وقوله تعالى: {وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً} [الأحزاب: 42] التسبيح: هو التقديس ، والتقديس هو التنزيه ، فعن أيِّ شيء نُنزه الله؟ قالوا: ننزه الله في ذاته ، وفي أفعاله ، وفي صفاته ، فالله تعالى له وجود ، ولك أنت وجود ، وللنهر وللجبل وجود ، لكن وجوده تعالى ليس كوجود ما سواه ، وجوده تعالى عن غير عدم ، أما وجود ما سواه فوجود عن عدم ، هذا في الذات .