والواقع أن العقل مثل آلة (الفوتوغرافيا) يلتقط المعلومة من مرة واحدة شريطةَ أن يكون خالياً ومستعداً لاستقبالها غير مشغول بغيرها ؛ لأن بؤرة الشعور لا تسع ولا تستوعب إلا فكرة واحدة ، وهذه المسألة تناولناها في قوله تعالى: {مَّا جَعَلَ الله لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ ...} [الأحزاب: 4] .
فالإنسان الذكي هو الذي لا يشغل باله بأمرين في وقت واحد ، ولا يفكر في شيء وهو بصدد شيء آخر ، فإذا كانت بُؤْرة الشعور خالية فالناس جميعاً سواسية في التقاط المعلومة .
لذلك ، المدرس الموفّق هو الذي يستطيع أنْ يجتذب إليه انتباه التلاميذ ، ولا يعطيهم الفرصة للانشغال بغير الدرس ، وهذا لا يتأتى إلا بالتلطُّف إليهم وإشراكهم في الدرس بالأسئلة من حين لآخر ، ليظل التلميذ متوقعاً لأنْ يسألَ فلا ينشغل ، لذلك رأينا أن الطريقة الحوارية هي أنجح طرق التدريس ، أما طريقة سَرْد المعلومات فهي تجعل المدرس في وادٍ والتلاميذ في واد آخر ، كل منهم يفكر في شيء يشغله .
وسبق أنْ قُلْنا: إن الطالب حين يعلم بأهمية درس من الدروس فيذاكره وهو ذاهب للامتحان وهو يصعد السلم إذا جاءه هذا الدرس يجيب عنه بنصه ، لماذا؟ لأنه ذاكره في الوقت الحرج والفرصة ضيقة لا تحتمل انشغالاً ولا تهاوناً ، فيلتقط العقل كل كلمة ويُسجِّلها ، فإنْ أراد استرجاعها جاءت كما هي ، لماذا؟ لأنها صادفتْ العقل خالياً غير مشغول .
وتأمل عظمة الخالق سبحانه في مسألة التذكُّر ، فالذاكرة جزء صغير في المخ ، فكيف بالطفل الصغير الذي لا يتجاوز الثامنة يحفظ القرآن كاملاً ويُعيده عليك في أيِّ وقت ، ونحن نتعجب من شريط التسجيل الذي يحفظ لنا حلقة أو حلقتين .