وبالجملة عدم ظهوره لأولئك الكرام ، وظهوره لمن بعدهم مما يحتاج إلى توجيه يقنع به ذوو الأفهام ، ولا يحسن مني أن أقول: كل ما يحكى عن الصوفية من ذلك كذب لا أصل له لكثرة حاكيه وجلالة مدعيه ، وكذا لا يحسن مني أن أقول: إنهم إنما رأوا النبي صلى الله عليه وسلم مناماً فظنوا ذلك لخفة النوم وقلة وقته يقظة فقالوا: رأينا يقظة لما فيه من البعد ولعل في كلامهم ما يأباه ، وغاية ما أقول: إن تلك الرؤية من خوارق العادة كسائر كرامات الأولياء ومعجزات الأنبياء عليهم السلام وكانت الخوارق في الصدر الأول لقرب العهد بشمس الرسالة قليلة جداً وأنى يرى النجم تحت الشعاع أو يظهر كوكب وقد انتشر ضوء الشمس في البقاع فيمكن أن يكون قد وقع ذلك لبعضهم على سبيل الندرة ولم تقتض المصلحة إفشاءه ، ويمكن أن يقال: إنه لم يقع لحكمة الابتلاء أو لخوف الفتنة أو لأن في القوم من هو كالمرآة له صلى الله عليه وسلم أو ليهرع الناس إلى كتاب الله تعالى وسنته صلى الله عليه وسلم فيما يهمهم فيتسع باب الاجتهاد وتنتشر الشريعة وتعظم الحجة التي يمكن أن يعقلها كل أحد أو لنحو ذلك.
وربما يدعي أنه عليه الصلاة والسلام ظهر ولكن كان متستراً في ظهوره كما روي أن بعض الصحابة أحب أن يرى رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاء إلى ميمونة فأخرجت له مرآته فنظر فيها فرأى صورة رسول الله عليه الصلاة والسلام ولم ير صورة نفسه فهذا كالظهور الذي يدعيه الصوفية إلا أنه بحجاب المرأة ، وليس من باب التخيل الذي قوي بالنظر إلى مرآته عليه الصلاة والسلام وملاحظة أنه كثيراً ما ظهرت فيها صورته حسبما ظنه ابن خلدون.
فإن قبل قولي هذا وتوجيهي لذلك الأمر فبها ونعمت وإلا فالأمر مشكل فأطلب لك ما يحله والله سبحانه الموفق للصواب.