قال القاضي أبو بكر ابن العربي: ومن غريب الأمر أن بعض الفقهاء قال إن هذا مَثَل ضربه الله تعالى لإبراهيم ومحمد ولعبد المطلب وابنه عبد الله ؛ فالمشكاة هي الكوّة بلغة الحبشة ، فشبّه عبد المطلب بالمشكاة فيها القِنديل وهو الزجاجة ، وشبّه عبد الله بالقِنديل وهو الزجاجة ؛ ومحمد كالمصباح يعني من أصلابهما ، وكأنه كوكب دُرِّيٌّ وهو المشتَرِي"يوقد من شجرة مباركة"يعني إرْث النبوّة من إبراهيم عليه السلام هو الشجرة المباركة ، يعني حنِيفِيّة لا شرقيّة ولا غربية ، لا يهودية ولا نصرانية.
"يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار"يقول: يكاد إبراهيم يتكلم بالوحي من قبل أن يوحَى إليه.
"نُورٌ على نور"إبراهيم ثم محمد صلى الله عليه وسلم.
قال القاضي: وهذا كله عدول عن الظاهر ، وليس يمتنع في التمثيل أن يتوسع المرء فيه.
قلت: وكذلك في جميع الأقوال لعدم ارتباطه بالآية ما عدا القول الأوّل ، وأن هذا مَثَل ضربه الله تعالى لنوره ، ولا يمكن أن يضرب لنوره المعظم مثلاً تنبيهاً لخلقه إلا ببعض خلقه ، لأن الخلق لقصورهم لا يفهمون إلا بأنفسهم ومن أنفسهم ، ولولا ذلك ما عَرف الله إلاّ الله وحده ، قاله ابن العربي.
قال ابن عباس: هذا مَثَل نور الله وهُداه في قلب المؤمن كما يكاد الزيت الصافي يضيء قبل أن تمسه النار ، فإن مسّته النار زاد ضوؤه ، كذلك قلب المؤمن يكاد يعمل بالهدى قبل أن يأتيه العلم ، فإذا جاءه العلم زاده هُدًى على هدًى ونوراً عل نور ؛ كقول إبراهيم من قبل أن تجيئه المعرفة:"هذا رَبِّي"، من قبل أن يخبره أحد أن له رَبًّا ؛ فلما أخبره الله أنه ربُّه زاد هُدًى ، فقال له رَبُّه: {قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ العالمين} [البقرة: 131] .