الثَّانِي: قَالُوا: إنَّمَا يَكُونُ مُطْلَقُ الْأَمْرِ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ إذَا تَعَرَّى عَنْ قَرِينَةٍ ، وَهَاهُنَا قَرِينَةٌ تَقْتَضِي صَرْفَهُ عَنْ الْوُجُوبِ ، وَهُوَ تَعْلِيقُهُ بِشَرْطِ عِلْمِ الْخَيْرِ فِيهِ ، فَتَعَلَّقَ الْوُجُوبُ عَلَى أَمْرٍ بَاطِنٍ ، وَهُوَ عِلْمُ السَّيِّدِ بِالْخَيْرِ فِيهِ.
وَإِذَا قَالَ الْعَبْدُ ، كَاتِبْنِي ، فَقَالَ السَّيِّدُ: لَمْ أَعْلَمْ فِيك خَيْرًا ، وَهُوَ أَمْرٌ بَاطِنٌ ؛ فَيُرْجَعُ فِيهِ إلَيْهِ ، وَيُعَوَّلُ عَلَيْهِ ، وَهُوَ قَوِيٌّ فِي بَابِهِ.
الثَّالِثُ: قَالَ عُلَمَاؤُنَا: مَالُ الْعَبْدِ وَأَكْسَابُهُ مِلْكُ السَّيِّدِ ، وَرَقَبَتُهُ مِلْكٌ لَهُ ؛ فَإِذَا قَالَ الْعَبْدُ: خُذْ كَسْبِي وَخَلِّصْ رَقَبَتِي فَهُوَ يُطَالِبُهُ بِتَفْوِيتِ مِلْكِهِ عَنْهُ ، فَكَأَنَّهُ يَقُولُ: أَعْتِقْنِي.
وَذَلِكَ لَا يَلْزَمُ ، وَهُوَ كَلَامٌ قَوِيٌّ فِي الْبَابِ عَلَى مُثْبِتِي الِاجْتِهَادِ ؛ وَمَنْ رَدَّهُ لَا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ.
الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ: قَوْله تَعَالَى: {فَكَاتِبُوهُمْ إنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا} وَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ: الْأَوَّلُ: أَنَّهُ الْقُدْرَةُ عَلَى السَّعْيِ وَالِاكْتِسَابِ ؛ وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ.
الثَّانِي: أَنَّ الْخَيْرَ الْمَالُ ؛ وَهُوَ قَوْلُ عَطَاءٍ.
الثَّالِثُ: أَنَّهُ الْوَفَاءُ وَالصِّدْقُ وَالْأَمَانَةُ ؛ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ الثَّانِي.
فَأَمَّا الْقَوْلُ الْأَوَّلُ بِأَنَّهُ الْمَالُ فَلَا إشْكَالَ فِيهِ.
وَأَمَّا الْقُدْرَةُ عَلَى الْأَدَاءِ بِحُسْنِ السَّعْيِ وَالِاكْتِسَابِ فَظَاهِرٌ أَنَّهُ يَلْحَقُ بِهِ لِأَنَّهُ مَالٌ مُنَجَّمٌ يَجْتَمِعُ فِي مُدَّةِ الْأَجَلِ.