قوله تعالى: {وَأَنْكِحُواْ الأيامى} [النور: 32] أمر وظاهر الأمر للوجوب على ما بيناه مراراً ، فيدل على أن الولي يجب عليه تزويج مولاته وإذا ثبت هذا وجب أن لا يجوز النكاح إلا بولي ، إما لأن كل من أوجب ذلك على الولي حكم بأنه لا يصح من المولية ، وإما لأن المولية لو فعلت ذلك لفوتت على الولي التمكن من أداء هذا الواجب وأنه غير جائز ، وإما لتطابق هذه الآية مع الحديث وهو قوله عليه الصلاة والسلام:"إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه ، إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير"قال أبو بكر الرازي هذه الآية وإن اقتضت بظاهرها الإيجاب إلا أنه أجمع السلف على أنه لم يرد به الإيجاب ، ويدل عليه أمور: أحدها: أنه لو كان ذلك واجباً لورد النقل بفعله من النبي صلى الله عليه وسلم ومن السلف مستفيضاً شائعاً لعموم الحاجة إليه ، فلما وجدنا عصر النبي صلى الله عليه وسلم وسائر الأعصار بعده قد كان في الناس أيامى من الرجال والنساء ، فلم ينكروا عدم تزويجهن ثبت أنه ما أريد به الإيجاب وثانيها: أجمعنا على أن الأيم الثيب لو أبت التزوج لم يكن للولي إجبارها عليه وثالثها: اتفاق الكل على أنه لا يجبر على تزويج عبده وأمته وهو معطوف على الأيامى ، فدل على أنه غير واجب في الجميع بل ندب في الجميع ورابعها: أن اسم الأيامى ينتظم فيه الرجال والنساء وهو في الرجال ما أريد به الأولياء دون غيرهم كذلك في النساء والجواب: أن جميع ما ذكرته تخصيصات تطرقت إلى الآية والعام بعد التخصيص يبقى حجة ، فوجب أن يبقى حجة فيما إذا التمست المرأة الأيم من الولي التزويج وجب ، وحينئذ ينتظم وجه الكلام.
المسألة الثالثة: