ودل قول اللَّه في الإماء: (فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ)
على فَرْق اللَّه بين حد المماليك والأحرار في الزنا ، وعلى أن
النصف لا يكون إلا من جلد ، لأن الجلد بعدد ، ولا يكون من رجم ، لأن الرجم إتيان على النفس بلا عدد ؛ لأنه قد يؤتى عليها برجمة واحدة ، وبألف وأكثر ، فلا نصف لما لا يعلم بعدد ، ولا نصف للنفس ، فيؤتى بالرجم على نصف النفس.
واحتمل قول اللَّه في سورة النور: (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ) الآية ، أن يكون على جميع الزناة الأحرار ، وعلى بعضهم دون
بعض فاستدللنا بسنة رسول الله - بأبي هو وأمي - على من أريد بالمائة جلدة
-ثم ذكر حديث عبادة بن الصامت - .
قال الشَّافِعِي رحمه الله: فدل قول رسول اللَّه:"قد جعل اللَّه لهن سبيلاً"
الحديث ، أن هذا أول ما حد به الزناة ، لأن اللَّه يقول: (حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا) الآية.
ثم رجم رسول الله ماعزاً ولم يجلده ، وامرأة الأسلمي ولم يجلدها ، فدلت سنة رسول الله على أن الجلد منسوخ عن الزانيين الثيبين.
قال الشَّافِعِي رحمه الله: ولم يكن بين الأحرار في الزنا فرق إلا بالإحصان
بالنكاح ، وخلاف الإحصان به ، وإذ كان قول النبي - صلى الله عليه وسلم -:"قد جعل الله لهن سبيلاً البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام"الحديث ، ففي هذا دلالة على أنه أول ما نسخ الحبس عن الزانيين ، وحُدَّا بعد الحبس ، وأن كل حد حده الزانيين فلا يكون
إلا بعد هذا ، إذ كان هذا أول حد الزانيين - ثم ذكر الحديث الذي أمَرَ به أنيساً أن يرجم امرأة الأعرابي إذا اعترفت ، وحديث رجم النبي - صلى الله عليه وسلم - لليهودية - .
قال الشَّافِعِي رحمه الله: فثبت جلد مائة والنفي على البكرين الزانيين.