الثامنة: قوله تعالى: {فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا} يقال: وجبت الشمس إذا سقطت ، ووجب الحائط إذا سقط.
قال قيس بن الخَطِيم:
أطاعت بنو عوف أميراً نهاهُم ...
عن السِّلْم حتى كان أوّل واجبِ
وقال أوْس بن حَجَر:
ألم تكسف الشمسُ والبدرُ وال ...
كواكبُ للجبل الواجب
فقوله تعالى: {فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا} يريد إذا سقطت على جنوبها ميتة.
كنّى عن الموت بالسقوط على الجنب كما كنّى عن النحر والذبح بقوله تعالى: {فاذكروا اسم الله عَلَيْهَا} .
والكنايات في أكثر المواضع أبلغ من التصريح.
قال الشاعر:
فتركته جَزَرَ السباعِ يَنُشْنَه ...
ما بين قُلّة رأسه والمِعْصَمِ
وقال عنترة:
وضربت قَرْنَيْ كبشها فَتَجدّلا ...
أي سقط مقتولاً إلى الجَدالة ، وهي الأرض ؛ ومثله كثير.
والوُجوب للجَنْب بعد النحر علامة نزف الدّم وخروج الروح منها ، وهو وقت الأكل ، أي وقت قرب الأكل ؛ لأنها إنما تبتدأ بالسلخ وقطع شيء من الذبيحة ثم يطبخ.
ولا تسلخ حتى تَبْرُد لأن ذلك من باب التعذيب ؛ ولهذا قال عمر رضي الله عنه: لا تعجلوا الأنفس أن تزهق.
التاسعة: قوله تعالى: {فَكُلُواْ مِنْهَا} أمر معناه الندب.
وكل العلماء يستحبّ أن يأكل الإنسان من هَدْيه ، وفيه أجر وامتثال ؛ إذ كان أهل الجاهلية لا يأكلون من هَدْيهم كما تقدّم.
وقال أبو العباس بن شُريح: الأكل والإطعام مستحبان ، وله الاقتصار على أيهما شاء.
وقال الشافعي: الأكل مستحب والإطعام واجب ، فإن أطعم جميعها أجزاه وإن أكل جميعها لم يجزه ، وهذا فيما كان تطوّعاً ؛ فأما واجبات الدماء فلا يجوز أن يأكل منها شيئاً حسبما تقدّم بيانه.
العاشرة: قوله تعالى: {وَأَطْعِمُواْ القانع والمعتر} قال مجاهد وإبراهيم والطبريّ: قوله:"وأطعِموا"أمر إباحةٍ.
و"القانِع"السائل.