ثم يقول سبحانه: {فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى القلوب} [الحج: 32] ليست من تقوى الجوارح ، بل تقوى قلب لا تقوى قالب ، فالقلب هو محلُّ نظر الله إليك ، ومحلُّ قياس تعظيمك لشعائر الله .
وسبق أنْ ذكرنا أن الله تعالى لا يريد أنْ يُخضِع قوالبنا ، إنما يريد أنْ يُخضع قلوبنا ، ولو أراد سبحانه أنْ تخضع القوالب لخصعتْ له راغمة ، كما جاء في قوله تعالى: {لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلاَّ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ * إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِّنَ السمآء آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ} [الشعراء: 3 - 4] .
وأنت تستطيع أنْ تُرغِم مَنْ هو أضعف منك على أيِّ شيء يكرهه ، إنْ شئتَ سجد لك ، لكن لا تملك أنْ تجعل في قلبه حباً أو احتراماً لك ، لماذا؟ لأنك تجبر القالب ، أمّا القلب فلا سلطةَ لك عليه بحال.
{لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ (33) }
يعني: ما دامت هذه المسائل من شعائر الله ومن تقوى القلوب فاعملوها وعظِّموها ؛ لأن لكم فيها منافع عرفتها أو لم تعرفها ، وربما تعرف بعضها ولا تعرف الباقي ؛ لأنه مستور عنك ولو أنك لا تعلم قيمة الجزاء على هذه الشعائر ، فقيمة الجزاء على العمل بحسب أنفاس الإخلاص في هذا العمل .
ومعنى {إلى أَجَلٍ مُّسَمًّى . .} [الحج: 33] ما دام الحق - سبحانه وتعالى - ذَيَّل الآية بقوله {ثُمَّ مَحِلُّهَآ إلى البيت العتيق . .} [الحج: 33] .
إذن: فالمراد هنا شعيرة الذَّبْح ، ولا يخفى ما فيها من منافع حيث ننتفع بصوفها ووبرها ولبنها ولحمها ، ونتخذها زينة وركوبة .