الله الذي لا تنفد خزائنه يعطي خلْقه بقدَرٍ ، فلا يبسط لهم الرزق كل البَسْط ، ولا يقبضه عنهم كُلَّ القَبْض ، بل يبسط على قوم ، ويقبض على آخرين لتسير حركة الحياة ؛ لأنه سبحانه لو بسط الرزق ووسَّعه على جميع الناس لاستغنى الناس عن الناس ، وحدثت بينهم مقاطعة تُفسد عليهم حياتهم.
إنما حركة الحياة تتطلب أنْ يحتاج صاحب المال إلى عمل ، وصاحب العمل إلى مال ، فتلتقي حاجات الناس بعضهم لبعض ، وبذلك يتكامل الناس ، ويشعر كل عضو في المجتمع بأهميته ودوره في الحياة.
وسبق أن ذكرنا أن الحق سبحانه لم يجعل إنساناً مَجْمعاً للمواهب ، بل المواهب مُوزَّعة بين الخَلْق جميعهم ، فأنت صاحب موهبة في مجال ، وأنا صاحب موهبة في مجال آخر وهكذا ، ليظل الناس يحتاج بعضهم لبعض.
فالغني صاحب المال الذي ربما تعالى بماله وتكبَّر به على الناس يُحوِجه الله لأقل المهن التي يستنكف أن يصنعها ، ولا بُدّ له منها لكي يزاول حركة الحياة.
والحق سبحانه لا يريد في حركة الحياة أن يتفضّل الناس على الناس ، بل لا بُدَّ أن ترتبط مصالح الناس عند الناس بحاجة بعضهم لبعض.
فإذا كان الحق تبارك وتعالى لا يبسط لعباده كل البَسْط ، ولا يقبض عنهم كل القَبْض ، بل يقبض ويبسط ، فوراء ذلك حكمة لله تعالى بالغة ؛ لذلك ارتضى هذا الاعتدال منهجاً لعباده ينظم حياتهم ، وعلى العبد أن يرضى بما قُسِم له في الحالتين ، وأن يسير في حركة حياته سَيْراً يناسب ما قدَّره الله له من الرزق.
يقول تعالى: {وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّآ آتَاهُ اللَّهُ..} [الطلاق: 7]
أي: مَنْ ضُيّق عليه الرزق فلينفق على قَدْره ، ولا يتطلع إلى ما هو فوق قدرته وإمكاناته ، وهذه نظرية اقتصادية تضمن للإنسان الراحة في الدنيا ، وتوفر له سلامة العيش.