وبهذا يتبين أن في الكلام إيجازَ حذف تقديره: ولا تبذر تبذيراً فتصير من المبذرين إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين.
والذي يدل على المحذوف أن المرء يصدق عليه أنه من المبذرين عندما يبذر تبذيرة أو تبذيرتين.
ثم أكد التحذير بجملة {وكان الشيطان لربه كفورا} .
وهذا تحذير شديد من أن يفضي التبذير بصاحبه إلى الكفر تدريجاً بسبب التخلق بالطبائع الشيطانية ، فيذهب يتدهور في مهاوي الضلالة حتى يبلغ به إلى الكفر ، كما قال تعالى: {وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم وإن أطعتموهم إنكم لمشركون} [الأنعام: 121] .
ويجوز حمل الكفر هنا على كفر النعمة فيكون أقرب درجات إلى حال التخلق بالتبذير ، لأن التبذير صرف المال في غير ما أمر الله به فهو كفر لنعمة الله بالمال.
فالتخلق به يفضي إلى التخلق والاعتياد لكفران النعم.
وعلى الوجهين فالكلام جار على ما يعرف في المنطق بقياس المساواة ، إذ كان المبذر مؤاخياً للشيطان وكان الشيطانُ كفوراً ، فكانَ المبذّر كفوراً بالمآل أو بالدرجة القريبة.
وقد كان التبذير من خُلق أهل الجاهلية ، ولذلك يتمدحون بصفة المتلاف والمُهلك المال ، فكان عندهم الميسر من أسْباب الإتلاف ، فحذر الله المؤمنين من التلبس بصفات أهل الكفر ، وهي من المذام ، وأدبهم بآداب الحكمة والكمال.
{وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا (28) }
عطف على قوله: {وآت ذا القربى والمسكين} [الإسراء: 26] لأنه من تمامه.
والخطاب لغير معين ليعم كل مخاطب.