وذكر المفعول المطلق تبذيراً بعد {ولا تبذر} لتأكيد النهي كأنه قيل: لا تبذر ، لا تبذر ، مع ما في المصدر من استحضار جنس المنهي عنه استحضاراً لما تُتصور عليه تلك الحقيقة بما فيها من المفاسد.
وجملة {إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين} تعليل للمبالغة في النهي عن التبذير.
والتعريف في {المبذرين} تعريف الجنس ، أي الذين عرفوا بهذه الحقيقة كالتعريف في قوله: {هدى للمتقين} [البقرة: 2] .
والإخوان جمع أخ ، وهو هنا مستعار للملازم غير المفارق لأن ذلك شأن الأخ ، كقولهم: أخو العلم ، أي مُلازمه والمتصف به ، وأخو السفَر لمن يُكثر الأسفار.
وقول عدي بن زيد:
وأخو الحَضْر إذ بناه وإذ دجْ
لةُ تَجبِي إليه والخابُور...
يريد صاحب قَصر الحَضْر ، وهو مَلك بلد الحَضْر المسمى الضَيْزنَ بنَ معاوية القضاعي الملقّب السيْطرون.
والمعنى: أنهم من أتباع الشياطين وحُلفائهم كما يتابع الأخُ أخاه.
وقد زيد تأكيد ذلك بلفظ كانوا المفيد أن تلك الأخوة صفة راسخة فيهم ، وكفى بحقيقة الشيطان كراهة في النفوس واستقباحاً.
ومعنى ذلك: أن التبذير يدعو إليه الشيطان لأنه إما إنفاق في الفساد وإما إسراف يستنزف المال في السفاسف واللذات فيعطل الإنفاق في الخير وكل ذلك يرضي الشيطان ، فلا جرم أن كان المتصفون بالتبذير من جند الشيطان وإخوانه.
وهذا تحذير من التبذير ، فإن التبذير إذا فعله المرء اعتاده فأدمن عليه فصار له خلقاً لا يفارقه شأن الأخلاق الذميمة أن يسهل تعلقها بالنفوس كما ورد في الحديث"إن المرء لا يزال يكذب حتى يكتب عند الله كذاباً"
، فإذا بذر المرء لم يلبث أن يصير من المبذرين ، أي المعروفين بهذا الوصف ، والمبذرون إخوان الشياطين ، فليحذر المرء من عمل هو من شأن إخوان الشياطين ، وليحذر أن ينقلب من إخوان الشياطين.