قال الإمام التبريزي: وذلك أن أبا ذؤيب هذا كان غلاماً، وكان لرجل صديقةٌ، فكان الرجل يبعث أبا ذؤيب إلى صديقته بالرسائل، فلما ترعرع أبو ذؤيب كسرها على الصديق - يريد أفسدها وأمالها عنه إليه - ، ولما ترجل أبو ذؤيب - يريد صار رجلاً - مُنع منها وحجبت عنه وحجب عنها، فكان يبعث خالداً إليها بالرسائل، وخالد يومئذ غلام، فلما ترعرع خالد كسرها على أبي ذؤيب، فقال أبو ذؤيب يعنف المرأة:
تُريِدينَ كيْما تجْمَعيني وخالداً ... وهل يُجمَعُ السَّيْفانِ وَيْحَكِ في غِمْدِ
وجعل يؤنب خالداً، فقال خالد:
فلا تَجْزَعَنْ مِنْ سِيرَةٍ أَنْتَ سِرتها... البيت
ولأمية بن أبي الصلت الشاعر الجاهلي أبياتٌ حسانٌ يشكو فيها هو الآخر ابنه الذي عقّه وأساء إليه: وقد اختارها أبو تمام في حماسته قال:
غَذَوْتُكَ مَوْلوداً وعُلْتُكَ يافعاً ... تُعَلُّ بمَا أُدْنِي إليْكَ وتُنْهَلُ
إذا ليْلةٌ نابَتْكَ بالشَّكوِ لمْ أَبِتْ ... لِشَكْواكَ إلاَّ ساهِراً أتَمَلْمَلُ
كأني أنا المَطروقُ دونَكَ بالذي ... طُرقْتَ به دُوني وعَيْنِيَ تَهْمُلُ
فلمَّا بلغتَ السِّنَّ والغايةَ الَّتي ... إليْها مَدَى ما كنتُ فِيكَ أؤمِّلُ
جَعَلْتَ جزائي مِنْكَ جَبْهاً وغِلْظةً ... كأنكَ أنْتَ المُنعِمُ المُتفَضِّلُ
فليْتَكَ إذْ لمْ تَرْعَ حَقَّ أبُوَّتي ... فعَلْتَ كما الجارُ المجاوِرُ يَفْعَلُ
وسَمَّيْتَني باسْمِ المُفَنَّدِ رَأُيُهُ ... وفي رَأْيِكَ التَّفْنيدُ لو كُنتَ تَعْقِلُ
تَراهُ مُعِدَّاً للخلافِ كأنَّهُ ... برَدٍّ على أهْل الصوابِ مُوَكَّلُ
ومن المستطرف من أقوالهم في الأولاد المتخلفين: ما يروى أن رجلاً بعث ابنه ليشتري حبلاً، فقال له: اجعله عشرين ذراعاً، فقال الولد: في عرض كم؟ قال: في عرض مصيبتي فيك...
وكان لأبي العباس المبرّد صاحب الكامل ابنٌ متخلف، فقيل له يوماً: غطِّ سوءَتك، فوضع يده على رأس ابنه...
وقيل لصبي: لم لا تتعلم الأدب؟ فقال: إني أخاف أن أُكذِّبَ والدي، لأنه قال لي: إنك لا تفلح أبداً...