وصدق الحق سبحانه حين قال: {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِّن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَشَيْبَةً..} [الروم: 54]
فَمنْ تزوّج مبكراً فسوف يكون له من أولاده مَنْ يُعينه ويساعده حال كِبَره.
والمتأمل في قوله تعالى: إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ.. { [الإسراء: 23]
لم تَأتِ صِفَة الكِبَر على إطلاقها ، بل قيّدها بقوله: عِندَكَ فالمعنى: ليس لهما أحد غَيرك يرعاهما ، لا أخ ولا أخت ولا قريب يقوم بهذه المهمة ، وما دام لم يَعُدْ لهما غيرك فلتكُنْ على مستوى المسئولية ، ولا تتنصَّل منها ؛ لأنك أَوْلى الناس بها.
ويمتد البِرُّ بالوالدين إلى ما بعد الحياة بالاستغفار لهما ، وإنجاز ما أحدثاه من عهد ، ولم يتمكّنا من الوفاء به ، وكذلك أن نصِلَ الرحم التي لا تُوصَل إلا بهما من قرابة الأب والأم ، ونَصِلَ كذلك أصدقاءهما وأحبابهما ونُودَّهم.
وقد كان صلى الله عليه وسلم يودّ صاحبات السيدة خديجة - رضي الله عنها - وكان يستقبلهن ويكرمهن.
وانظر إلى سُمُوِّ هذا الخلق الإسلامي ، حينما يُعدِّي هذه المعاملة حتى إلى الكفار ، فقد جاءت السيدة أسماء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم تسأله في أمها التي أتتْها.
وأظهرت حاجة مع أنها كافرة ، فقال لها:"صِليِ أمك".
بل وأكثر من ذلك ، إنْ كان الوالدان كافرين ليس ذلك فحسب بل ويدعوان الابن إلى الكفر ، ويجاهدانه عليه ، ومع هذا كله يقول الحق سبحانه: {وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً..} [لقمان: 15]
فهذه ارتقاءات ببرّ الوالدين تُوضّح عظمة هذا الدين ورحمة الخالق سبحانه بالوالدين حتى في حال كفرهما ولَدَدهما في الكفر.