لذلك ذكر القرآن الحيثيات الخاصة بالأم ؛ لأنها تحملتها وحدها لم يشاركها فيها الزوج ؛ ولأنها حيثيات سابقة لإدراك الابن فلم يشعر بها ، فكأنه سبحانه وتعالى أراد أنْ يُذكّرنا بفضل الأم الذي لم ندركه ولم نُحِسّ به.
وذلك على خلاف دور الأب فهو محسوس ومعروف للابن ، فأبوه الذي يوفر له كل ما يحتاج إليه ، وكلما طلب شيئاً قالوا: حينما يأتي أبوك ، فدَوْر الأب - إذن - معلوم لا يحتاج إلى بيان.
والآية هنا أوصتْ بالوالدين في حال الكِبَر ، فلماذا خَصَّتْ هذه الحال دون غيرها؟
قالوا: لأن الوالدين حال شبابهما وقُوتهما ليسا مظنّة الإهانة والإهمال ، ولا مجال للتأفف والتضجُّر منهما ، فهما في حال القوة والقدرة على مواجهة الحياة ، بل العكس هو الصحيح نرى الأولاد في هذه الحال يتقربون للآباء ، ويتمنون رضاهما ، لينالوا من خيرهما.
لكن حالة الكِبَر ، ومظهر الشيخوخة هو مظهر الإعالة والحاجة والضعف ، فبعد أنْ كان مُعْطياً أصبح آخذاً ، وبعد أنْ كان عائلاً أصبح عالة.
لذلك ، فالنبي صلى الله عليه وسلم في حديث الآمينات والمراغم ، وكان على المنبر ، فسمعه الصحابة يقول: آمين. ثم سكت برهة. وقال: آمين وسكت. ثم قال: آمين. فلما نزل قالوا: يا رسول الله سمعناك تقول: آمين ثلاثاً. فقال:"جاءني جبريل فقال: رغم أنف مَنْ ذُكِرْتَ عنده ولم يُصَلّ عليك ، قل: آمين. فقلت: آمين ، ورغم أنفس مَنْ أدرك رمضان فلم يُغفر له ، قل: آمين. فقلت: آمين ، ورغم أنف مَنْ أدرك والديه - أو أحدهما فلم يدخل بهما الجنة ، قل: آمين. فقلت: آمين"
فخصَّ الحق سبحانه حال الكِبَر ، لأنه حال الحاجة وحال الضعف ؛ لذلك قال أحد الفلاسفة: خَيْر الزواج مبكره ، فلما سُئِل قال: لأنه الطريق الوحيد لإنجاب والد يعولك في طفولة شيخوختك ، وشبَّه الشيخوخة بالطفولة لأن كليهما في حال ضعف وحاجة للرعاية والاهتمام.