وبالضرورة لم يرتض ابن المنير هذا الصنيع من خصمه المعتزلى، فنراه يتورَّك عليه بقوله:"أما الحديث فمذكور فِي الصحاح متفَق على صحته، فلا محيص له إذن عن تعطيل كلامه عليه السلام بتعميله ما لا يحتمله، جنوحاً إلى اعتزال منتزع، فِي فلسفة منتزعة، فِي إلحاد. ظلمات بعضها فوق بعض، وقد قدمت عند قوله تعالى: {لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ} ما فيه الكفاية. وما أرى الشيطان إلا طعن فِي خواصر القدرية حتى بقرها، وذكر فِي قلوبهم حتى حمل الزمخشري وأمثاله أن يقول فِي كتاب الله تعالى وكلام رسوله عليه السلام بما يتخيل، كما قال فِي هذا الحديث. ثم تنظيره بتخييل ابن الرومى فِي شعره جرأة وسوء أدب. ولو كان معنى ما قاله صحيحاً لكانت هذه العبارة واجباً أن تُجتنب. ولو كان الصراخ غير واقع من المولود لأمكن على بُعْدٍ أن يكون تمثيلاً، أما وهو واقع مُشاهدَ فلا وجه لحمله على التخييل إلا الاعتقاد الضئيل، وارتكاب الهوى الوبيل".
* مبدأ الزمخشري فِي التفسير عندما يصادم النص القرآني مذهبه:
والمبدأ الذي يسير عليه الزمخشري فِي تفسيره ويعتمد عليه عندما تصادمه آية تخالف مذهبه وعقيدته، هو حمل الآيات المتشابهة على الآيات المحكمة، وهذا المبدأ قد وجده الزمخشري فِي قوله تعالى فِي الآية [7] من سورة آل عمران: {هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ} .. فـ"المحكمات"هي التي أحكمت عباراتها، بأن حُفظت من الاحتمال والاشتباه. و"المتشابهات"هي المتشبهات المحتملات. و"أم الكتاب"هي أصله الذي يُحمل عليه المتشابه، ويُرَد إليه، ويُفسَّر به.