ومسألة التمثيل والتخيل يستعملها الزمخشري بحرية أوسع فيما ورد من الأحاديث التي يبدو ظاهرها مستغرباً، وأسوق إليك مثالاً أتى به الزمخشري عند تفسيره لقوله تعالى فِي الآية [36] من سورة آل عمران: {وِإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ} .. قال - رحمه الله:"وما يروون من الحديث:"ما من مولود إلا والشيطان يمسه حين يولد فيستهل صارخاً من مس الشيطان إياه إلا مريم وابنها"فالله أعلم بصحته، فإن صح فمعناه أن كل مولود يطمع الشيطان فِي إغوائه إلا مريم وابنها، فإنهما كانا معصومَيْن، وكذلك كل منَ كان فِي صتفهما، كقوله تعالى: {... لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ} .. واستهلاله صارخاً من مسه، تخييل وتصوير لطعمه فيه، كأنه يمسه ويضرب بيده عليه، ويقول: هذا ممن أغويه. ونحوه من التخييل قول ابن الرومى:"
* لما تؤذن الدنيا به من صروفها * يكون بكاء الطفل ساعة يولد*
وأما حقيقة المس والنخس كما يتوهم أهل الحشو فكلا، ولو سُلِّطَ إبليس على الناس بنخسهم لامتلأت الدنيا صراخاً وعياطاً مما يبلونا به من نخسه"."