دليله ما رواه مسلم"عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: قلت يا رسول الله، ابن جدعان كان في الجاهلية يصل الرحم، ويطعم المسكين، فهل ذلك نافعه؟"
قال: لا ينفعه، إنه لم يقل يوما رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين"."
وروى عن أنس قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"إن الله لا يظلم مؤمناً حسنة يعطى بها في الدنيا ويجزى بها في الآخرة وأما الكافر فيطعم بحسنات ما عمل لله بها في الدنيا، حتى إذا أفضى إلى الآخرة لم يكن له حسنة يجزى بها".
وقال الجمل: وهذه الآية وإن كانت خاصة في إنفاق المنافقين، فهي عامة في حق كل من أنفق ماله لغير وجه الله، بل أنفقه رياء وسمعة فإنه لا يقبل منه.
{وَلاَ يُنفِقُونَ إِلاَّ وَهُمْ كَارِهُونَ}
أي. ولا ينفقون نفقة في سبيل الله إلا وهم كارهون لها لأنهم يعدونها مغرماً، ويعتبرون تركها مغنما، وما حملهم على الإِنفاق إلا الرياء أو المخادعة أو الخوف من انكشاف أمرهم، وافتضاح حالهم.
قال صاحب الكشاف:
«فإن قلت» : الكراهية خلاف الطواعية، وقد جعلهم الله تعالى طائعين في قوله"طوعاً"ثم وصفهم هنا بأنهم لا ينفقون إلا وهم كارهون فكيف ذلك.
قلت: المراد بطوعهم أنهم يبذلون نفقتهم من غير إلزام من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أو من رؤسائهم، وما طوعهم ذاك إلا عن كراهية واضطرار، لا عن رغبة واختيار.
أي: أن نفقتهم في جميع الأحوال لا يقصد بها الاستجابة لشرع الله، وإنما يقصد بها الرياء أو المخادعة، أو خدمة مصالحهم الخاصة.
(قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ(61)
قال الفخر الرازي:
فإن قيل لماذا عدى الإِيمان إلى الله بالباء، وإلى المؤمنين باللام؟
قلنا: لأن الإِيمان المعدى إلى الله المراد منه التصديق الذي هو نقيض الكفر فعدى بالباء. والإِيمان المعدى إلى المؤمنين المراد منه الاستماع منهم، والتسليم لقولهم فعدي باللام، كما في قوله {وَمَآ أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لَّنَا} أي بمصدق لنا. وقوله: {أَنُؤْمِنُ لَكَ واتبعك الأرذلون} وقوله: {قَالَ آمَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ} .
(يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ قُلِ اسْتَهْزِئُوا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرُونَ(64)