فإن قلت: ما فائدة ذكر الاستمتاع بالخلاق في حق الأولين مرةً ثم في حق المنافقين ثانيًا ثم تكريره في حق الأولين ثالثًا، والثاني مغن عن الأول؟
قلت: فائدة ذكر الاستمتاع في الأولين أولًا: تمهيدٌ لذم حال المخاطبين، بأن قرر وبين حال الأولين، ثم عاد فشبه حال المنافقين بحالهم، فيكون ذلك بيانًا لوجه الشبه، وتكريره ثانيًا تأكيدٌ ومبالغةٌ في ذم المخاطبين، وتقبيح حالهم، ولم يسلك هذه الطريقة في التشبيه الثاني، وهو قوله: {وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا} حيث لم يقل: وخاضوا وخضتم كخوضهم، اكتفاءًا بالتمهيد الأول فاستغنى عن ذكر التمهيد في التشبيه الثاني. اهـ"زاده"بتصرف.
{وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ ... (71) }
فإن قلت: لِمَ قال سبحانه وتعالى في وصف المؤمنين: {بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ} ، وقال في وصف المنافقين: {بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ} فما الفائدة في التفرقة بينهما في الوصف؟
قلت: فرق بينهما لأن المؤمنين بينهم أخوة ومودة وتعاون وتراحم، حتى شبه النبي - صلى الله عليه وسلم - جماعتهم بالجسد الواحد، وبالبنيان يشد بعضه بعضًا، وبينهم ولاية النصرة في الدفاع عن الحق والعدل، وإعلاء كلمة الله تعالى، أما المنافقون فيشبه بعضهم بعضًا في الشكوك والذبذبة، وما يتبعها من الجبن والبخل، وهما يمنعان من التناصر ببذل النفس والمال، وقصارى أمرهم التعاون بالكلام، وما لا يشق من الأعمال، ومن ثم أكْذَبَ الله منافقي المدينة في وعدهم لليهود حلفائهم، بنصرهم على النبي - صلى الله عليه وسلم - والمؤمنين إذا قاتلوهم، في قوله: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ ...} الآية.
{وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ (84) }
فإن قلت: لِمَ وصفهم بالفسق بعد أن وصفهم بالكفر؛ لأن الفسق أدنى حالًا من الكفر، فالكفر يشمله وغيره، فما الفائدة في وصفهم بكونهم فاسقين بعد وصفهم بالكفر؟