قلتُ: لم يَخْفَ عليه ذلك ، وإنما أراد بما قال إظهار كمال رأفته ، ورحمته بمن بُعث إليهم ، وفيه لطفٌ بأمته وحثٌّ لهم على المراحم ، وشفقة بعضهم على بعض ، وهذا دأبُ الأنبياء عليهم السلام ، كما قال إبراهيم عليه السلام (وَمَنْ عَصَانِي فَإنَّكَ عْفورٌ رحيم) .
25 -قوله تعالى: (وَطُبعَ عَلَى قُلُوبهمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُون) . قاله هنا بالبناء للمفعول ، َ وقال بعده (وَطَبَعَ اللَّهُ على قلوبهم فَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ) بالبناء للفاعل ، لأن الأول تقدَّمه مبنيٌّ للمفعول وهو قوله"وَإذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ"والثاني تقدَّمه ذكر الله مرَّاتٍ ، فناسب بناء الأول للمفعول ، والثاني للفاعل ، ليناسب الفاعل ما قبله ، ثم ختم كلًا منهما بما يناسُبه ، فقال في الأول"لا يفقهون"وفي الثاني"لا يعلمون"لأنَّ العلم فوق الفقه أي الفهم.
26 -قوله تعالى: (وَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ثُمٌ ترَدُّونَ إلى عَالِم الغَيْبِ والشَّهَادَةِ) قاله هنا بـ"ثُمَّ"بحذف"والمؤمنون". وقاله بعدها بالواو ، وبذكر"والمؤمنون".
لأنَّ الأول في المنافقين ، ولا يطَّلع على ضمائرهم إلَّا
الله ، ثم رسولُه بإطلاع اللهِ إياه عليها . والثاني في المؤمنين ، وطاعاتهم وعباداتْهم ظاهرةٌ لله ولرسوله وللمؤمنين ، وختم الأول بقوله"ثُمَّ تُرَدُّونَ"ليفيد قطعه عمَّا قبله ، لأنه وعيد . . وختم الثاني بقوله"وستردُّون"ليفيد وصله بما قبله لأنه وعدٌ ، فناسب في الأول"ثُمَّ"وحذفَ"والمؤمنون"وفي الثاني"الواو"وذكر"والمؤمنون".
فإن قلتَ: السِّينُ في"سَيَرَى اللّهُ"للاستقبال ، والرؤيةُ بمعنى العلم ، والله تعالى عالمٌ بعملهم حالًا ومآلًا ، فكيف جمع بينهما ؟!