هذا وإن ما قاله الكلبي ومقاتل بأن قوله تعالى (حَتَّى يُبَيِّنَ) إلخ نزلت في أمر النّاسخ أي حتى يتبين لهم المنسوخ بالناسخ وذلك أن هناك أشياء كثيرة كانت عندهم قبل الإسلام يعدونها حلالا ولا بأس بها ، منها ما ابتكروها ابتكارا من عند أنفسهم ، ومنها ما تلقوها عن أسلافهم فقلدوهم فيها ومنها ما اقتفوا بها آثار أهل الكتابين كوأد البنات ، وقتل غير القاتل وشرب الخمر ، ومنع النّساء من الإرث ، وكذلك الأولاد والصّغار ، وتحريم السوائب ، والوصائل وتحليل أكل بعض الحيوان للرجال دون النّساء ، وغيرها ما ذكر اللّه في سورة الأنعام والمائدة والبقرة وغيرها ، ومن هذا القبيل توجه الإسلام في الصّلاة إلى الكعبة بدلا من بيت المقدس ، أي ما كان اللّه ليبطل أعمالكم بالنسوخ حتى تبين لكم نزول النّاسخ فتعملوا به ، وهذا لعمري بعيد عن الصّحة ، لأن هذه الآية عامة وكثير مما نهوا عنه لم ينزل فيه ناسخ ، ولم يكن النّاسخ إلا عن شيء نزل قيل بكتاب سماوي فلا يشترط له النّاسخ ، لأن النّسخ معناه نسخ نص سابق بنص لا حق ولا يوجد فيما اعتادوه قبل الإسلام نص سماوي ، لذلك لا يلتفت لهذا القول ، ولا يعقل قول المؤمى إليها به.
وعلى كلّ فلا قيمة له ولا عبرة به ، تأمل ، وراجع بحث النّاسخ والمنسوخ في المقدمة تقف على ذلك.