تسامح ، وتشاور مع عزم ، ولين مع حزم ، راجع الآية 161 من آل عمران تجد ما يتعلق بهذا ، قال تعالى"وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً"بسبب استغفارهم لمشركين"بَعْدَ إِذْ هَداهُمْ"للإيمان ، وسبب نزول هذه الآية هو أن اللّه تعالى لما نهى المؤمنين عن الاستغفار لآبائهم المشركين خافوا عاقبة ما صدر منهم وصاروا يضربون أخماسا بأسداس على ما فرط منهم ، فأنزل اللّه هذه الآية تطمينا لهم بعدم المؤاخذة وتطبيبا لخواطرهم ، وإعلاما بأن ما وقع منهم لا يضرّهم ولا يعاقبهم اللّه عليه ، لصدوره قبل النّهي بتأويل منهم ، وحاشا رحمة اللّه أن يعذب قبل أن ينهى أو يريد قبل أن يأمر بالنسبة للظاهرة ، ولهذا ختم هذه الآية بقوله"حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ ما يَتَّقُونَ" (115) الخوض فيه وما يستحبونه
فكل ما وقع منهم قبل البيان لا يؤاخذون عليه ، أما بعده فمفوض لمشيئة اللّه تعالى ولهذا يتقدم لهم بالإنذار والإعلام حتى لا تبقى لهم معذرة إذا اقترفوا شيئا مما نهوا عنه بعد البيان فيؤاخذوا عليه ويعاقبوا ، وحاشا أصحاب رسول اللّه من الاقدام على شيء نهاهم اللّه عنه أو كرهه لهم"إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ" (116) قبل ظهوره لخلقه علما حقيقيا لا كعلم السّحرة والكهنة الصّورى والمموّه الكاذب فإنه لا يلتفت إليه ، قال:
دع المنجم يكبو في ضلالته إن ادعى علم ما يجدي من الفلك
تفرد اللّه بالعلم القديم فلا إنسان يشركه فيه ولا الملك
أعد للرزق من أشراكه شركا وبئست العدتان الشّرك والشّرك
فالعلم الذي هو العلم لا ينسب إلّا إلى اللّه العالم بكل شيء ، ومن علمه هذا ما خالطته نفوس أصحاب رسول اللّه من الخوف عما صدر منهم ما ثلج صدورهم بما أنزله في هذه الآية وأزال ما كان يتردد فيها.