محل للقول الذي نقله النّسفي رحمه اللّه بأن القياس أن يقال منذ لأنه لابتداء الغاية في الزمان ومن لابتداء الغاية في المكان ، لأن اللّه أعلم بما ينزل من الألفاظ الموافقة للمعاني المقصودة ، وإني لأعجب كلّ العجب من جرأة بعض المفسرين على مثل أقوال هكذا ، مع علمهم بأن مصدر العلوم العربية التي يتبححون بها ويدعون معرفتها كلها مستقاة من القرآن العظيم ، وإن ما كان منها مخالفا له لا قيمة لها ولا عبرة ، فالذي جعل من بمعنى ما وما بمعنى من ألا يجعل منذ بمعنى غاية المكان ، ألا يجعل من لابتداء الغاية في الزمان كيف يقال هذا من هذا الرّجل وهي قد أنزلت على منبع الفصاحة ومصدر البلاغة ، ومع هذا يتطاولون ويقولون القياس كذا وكذا ، أيعترضون على اللّه الذي هو أعلم بما ينزل ، فلا حول ولا قوة إلّا باللّه ، راجع الآية 67 من سورة يونس ج 2 ، والآية 5 من سورة الحج المارة وابتهر بجرأة المفسرين لهما واستغفر اللّه والزم الأدب ، فهو"أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ"مصليا من مسجد الضّرار الذي أسس على الكفر استعدادا لحضور ذلك الرّاهب الكافر ، لأن هذا المسجد المبارك"فِيهِ رِجالٌ"كرام على ربهم"يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا"طهارة كاملة من النجاسة الحسية والمعنويّة ، والكلية الظّاهرة والباطنة ، ويأخذون فيها بالعزيمة دون الرخصة"وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ" (108) لما نزلت هذه الآية مشى رسول اللّه