فإذا كشف الغطاء تبين لهم فساد ما كانوا عليه، ولا سيما إذا حشروا في صور الذر، يطؤهم أهل الموقف بأرجلهم إهانة لهم وتحقيراً وتصغيراً، كما صغروا أمر الله، وحقروا عباده في الدنيا.
قال النبي - صلى الله عليه وسلم: «يُّحْشَرُ الْمُتَكَبِّرُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْثَالَ الذَّرِّ فِي صُوَرِ الرِّجَالِ يَغْشَاهُمُ الذُّلُّ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَيُسَاقُونَ إِلَى سِجْنٍ فِي جَهَنَّمَ يُسَمَّى بُولَسَ تَعْلُوهُمْ نَارُ الأَنْيَارِ يُسْقَوْنَ مِنْ عُصَارَةِ أَهْلِ النَّارِ طِينَةَ الْخَبَال» أخرجه أحمد والترمذي.
والإمامة في الدين من الرتب العالية، بل هي أعلى مرتبة يعطاها العبد في الدين، ولذلك كان جزاؤه عليها الغرف العالية في الجنة، كما قال سبحانه:
{وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا (74) أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا (75) } [الفرقان: 74، 75] .
فالناصح لله .. المعظم له .. المحب له .. يحب أن يطاع ربه فلا يعصى .. وأن تكون كلمته هي العليا .. وأن يكون الدين كله لله .. وأن يكون العباد ممتثلين أوامره .. مجتنبين نواهيه، مسلمين له.
فهو يحب الإمامة في الدين، بل يسأل ربه أن يجعله للمتقين إماماً يقتدي به المتقون، كما اقتدى هو بالمتقين الذين جعلهم الله أئمة في الدين، لصبرهم وكمال يقينهم كما قال سبحانه: {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ (24) } [السجدة: 24] .
ويجب على ولي الأمر أن يتحلى بمكارم الأخلاق، فيعامل الخلق بحسن الخلق، ويتقي شر الجاهلين بالإعراض عنهم، ويتقي شر الشياطين بالاستعاذة منهم.
ولولي الأمر مع الرعية ثلاثة أحوال:
فإنه لا بدَّ له من حق عليهم يلزمهم القيام به، ومن أمر يأمرهم به .. ولا بدَّ من تفريط وعدوان يقع منهم في حقه.
فأمر أن يأخذ من الحق الذي له عليهم ما سمحت به نفوسهم وسهل عليهم بذله، وهو العفو الذي لا يلحقهم ببذله ضرر ولا مشقة.