ليس هو على التحديد حتى لا يزاد عليه ولا ينقص منه، إنما خرج - واللَّه أعلم - على التعظيم لذلك والإجلال؛ لأنه أخبر في النفقة التي تنفق في سبيل اللَّه أنها تزداد وتنمو إلى سبعمائة، ولا يجوز أن يكون في الحسنة التي جاء بها في التوحيد ما يبلغ إلى ما ذكر، وإذا جاء بنفس ذلك التوحيد لا يبلغ ذلك أو يقصر عن ذلك، ولكنها - واللَّه أعلم - على التعظيم له، أو على التمثيل؛ كقوله: (وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ) ، ذكر هذا؛ لما لا شيء عند الخلق أوسع منها، وكقوله: (تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ) ، ومثله هو على التمثيل؛ خرج لعظيم ما قالوا في اللَّه، ليس على أنها تنشق أو تنفطر؛ فعلى ذلك الأول أنه يخرج لما ذكرنا، لا على التحديد له والوقف.
ثم قوله: من جاء بالحسنة فله كذا، ومن جاء بالسيئة فله كذا: ذكر مجيء الحسنة ومجيء السيئة، ولم يقل: من عمل بالحسنة فله كذا، ومن عمل بالسيئة؛ ليعلم أن النظر إلى ما ختم به وقبض عليه؛ فكأنه قال: من ختم بالحسنة وقبض عليها فله كذا؛ لأنه قد يعمل بالحسنة، ثم يفسدها وينقضها بارتكاب ما ينقضه ويفسده من الشرك وغيره؛ على ما روي:"الأعمال بالخواتيم".
ثم اختلف في قوله: (مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا) : قَالَ بَعْضُهُمْ: من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها بعد التوحيد، ومن جاء بالسيئة بعد التوحيد فلا يجزي إلا مثلها.
وقال بعض أهل التأويل: من جاء بالحسنة يعني بالتوحيد فله عشر أمثالها، لكنه ليس على التحديد لما ذكرنا، ولكن على التعظيم له والقدر عند اللَّه، أو على التمثيل.
ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها يعني: الشرك، لا يجزى إلا مثله. فكان التخليد في النار مثل الشرك؛ لأن الشرك أعظم السيئات.