هكذا ربنا عز وجل يعلن عن ألوهيته، ويعلن عن عظمته، ويعلن عن قيوميّته على خلقه، إذاً هذه السورة إنما هي سورة التوحيد لله عز وجل، الإنسان بفطرته التي خلقه الله عليها إنما يبحث عن إله يعبده ويقدسه في سلمه وهدوئه وسكينته، فإذا جاءت عليه الشدة والبأساء لجأ إلى ذلك الإله يستغيث به ويستجير، أجرني يا إلهي، كلّ إنسان في الدنيا يتطلع إلى إلهٍ ليكون معه في هذين الأمرين"إِيَّاكَ نَعْبُدُ" [الفاتحة: 5] عند الرخاء"وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ" [الفاتحة: 5] عند الشدة، ولكن يضلّ الناس، ولكن لا يرى كلّ الناس الحقائق الواضحة فكثيرون يصابون في قلوبهم بالعمى، عافانا الله وقلوبَنا، فإذا بهم يعبدون حجراً أو شجراً أو بقراً أو نحو ذلك، حتى عبدوا البهائم والأنعام من دون الله، عبدوا ملَكاً أو عبدوا بشراً، هذا كلّه وقع في الكون، لذلك الله تبارك وتعالى يُبَصِّر الإنسان بالحقيقة، الحقيقة يا عبدي أنك لا بد أن تعبد إلهاً، هذا نقرّك عليه، وهذه فطرتنا التي فطرناك عليها، وخلقناك بها، ولكن أين تجد إلهك؟ ومن يستحق عبادتك وإخلاصك وتوحيدك؟ هأنذا"إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي" [طه: 14] ، يعلن الله عن نفسه بدايةً بربوبيته للخلق، أنا الذي أعطيتكم كذا ووهبتكم كذا، وأنعمت عليكم بكذا"وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا" [النحل: 18] ، وبالتالي ولا مثيل لي فلا يستحق العبادة إلا أنا، المنعم، الكريم، العظيم، القوي، المتين، من خلال هذا الخلق، من تفكّر فيه فالعقل السليم يقتضي أن نشكر من خلق هذا الخلق، أن نعبد من خلقنا، أن ندين لمن يرزقنا، لا لمن يسلمنا المال والرزق بيده، بل من ينزِّل الرزق من السماء، ينزل من السماء ماءً فيخلطه بحَبّ الأرض فيصير نباتاً، فيخرج من الميت وهي الأرض والحبة نبتاً حيّاً يتنفس ويتغذى وينمو، ويخرج لنا من حبةٍ واحدة حبّاً كثيراً متراكباً فنأكل وننعم ونُكفى حاجتنا في الدنيا، ذلكم الرب هو الذي يستحق أن يكون إلهاً، لا إله إلا الله.