الدين على الدنيا والباقي على الفاني فما قبلوا نصيحته وما اهتدوا بهدايته، وأظهروا كمال حسنهم {قَالُواْ نُرِيدُ أَن نَّأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَن قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ} [المائدة: 113] ، {قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ} [المائدة: 114] ، ولو كانوا أهل السعادة وأهل الإيمان الحقيقي لكان اطمئنان قلوبهم بذكر الله كقوله تعالى:
{أَلاَ بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} [الرعد: 28] ، ولعلموا صدق رسولهم بنور الإيمان فإن المؤمن ينظر بنور الله، وكانوا لله شاهدين بالوحدانية وما احتاجوا إلى هذا التساؤل وكانوا مؤمنين مسلمين لأحكام الله تعالى وأوامر رسوله كما كان الحواريون الذين، قالوا: آمنا إيماناً حقيقياً، وقالوا: واشهدوا بأننا مسلمون فلما علم عيسى عليه السلام أن الله تعالى في إنزال المائدة حكمة بالغة وألحوا عليه بسؤالها قال: {اللَّهُمَّ رَبَّنَآ أَنزِلْ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ السَّمَاءِ} [المائدة: 114] ، أي: مائدة الأسرار والحقائق التي تنزلها من سماء العناية عليها أطعمة الهداية {تَكُونُ لَنَا} [المائدة: 114] ؛ يعني: لأهل الحق {عِيداً} [المائدة: 114] ، ففرح بها {لأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا} [المائدة: 114] ؛ أي: الأزل أنفاسنا وآخرها بالتصعد مع الله وتهوي مع الله ففي صعود النفس مع الله يكون عبداً له وفي هوية مع الله يكون عبداً له، وقال تعالى: {وَآيَةً مِّنْكَ} [المائدة: 114] ؛ أي: تلك المائدة تكون تجلي صفة من الصفات {وَارْزُقْنَا} [المائدة: 114] ، من فضلك الخاص {وَأَنتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ} [المائدة: 114] ؛ لأن رزقك الذي ترزق به خواص عبادك رزق منك ورزق غيرك لا يكون منه.