إننا إذا نظرنا إلى الجانب الذي قهر فيه الحق الإنسان نجده لمصلحة الإنسان . فالإنسان لا يختار أن يتنفس ولا أن يسري الدم في عروقه ولا أن تعمل كليتاه . إنه مقهور في كل ذلك . ومن رحمة الله بالخلق أن جعلهم مسيّرين ومقهورين في هذه النواحي ، فلم يجعل تنفس أحد بيد صاحبه ولا جعل القلب يعمل بإرادة الإنسان . والإنسان - إذن - يُخير في مسائل التكليف فقط . وكأن الحق يذكر الإنسان أن منطقة الاختيار هي عقد بين المؤمن وربه ؛ لأن الاختيار سيسلب من العباد يوم القيامة ، ويكون كل العباد مقهورين ويصير الكائن البشري مثل الجماد والنبات والحيوان . ولذلك يقول الحق سبحانه: {للَّهِ مُلْكُ السماوات والأرض وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [المائدة: 120] .
إنّ الإنسان يوم القيامة سيصير بلا اختيار لأن الحق استعمل"ما"هنا وهي تدل على الأشياء غير العاقلة أي التي لا اختيار لها . كأن العقل له عمل في الدنيا وهو التمييز بين البدائل ، أما في الآخرة فالكل متساوٍ أمام خالقه . وعلمنا من قبل الفارق بين"مُلْك"و"ملكوت"وكلنا يقرأ قول الحق: {وَكَذَلِكَ نري إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السماوات والأرض} [الأنعام: 75] .
كأن الحق ينبهنا إلى أن العالم فيه ما يقع تحت الإحساس والإدراك ، وفيه ما لا يقع تحت الإحساس والإدراك . فالذي يقع تحت الحس والإدراك هو عالم المُلْك . والذي لا يقع تحت الحس والإدراك هو عالم الملكوت . ولا نعرف عن عالم الملكوت إلا ما أخبرنا به الله . وهناك في عالم الملك ما يخفيه الله عنا ، وسبحانه وحده هو القادر على كل شيء ، والحق يطلب منا أن نعتبر بما في العالم المشهود من ظواهر . وله سبحانه مطلق العلم بعالم"الملكوت"أي ببواطن هذه الظواهر غير المشهودة . و"الملك"و"الملكوت"موجودان في الدنيا والآخرة ، إلا أن المُلْك ظاهر والملكوت خفي .