ويوزع الحق سبحانه وتعالى أسباب الملك في الدنيا بين أيدي خلقه ، ويملك التصرف فيما بين أيدينا وفيما خفي عنا ، ويشاء الحق أن ينهي هذه المسألة من مبررات الخلافة للإنسان على الإنسان وفي الأرض فيقول: {للَّهِ مُلْكُ السماوات والأرض وَمَا فِيهِنَّ} فلله الملكوت ، ولكم بعض الملك أيها العباد في ظواهر نسبة الأشياء إلى أسبابها وذلك في الدنيا ، أما يوم القيامة فكل شيء ينتهي إلى الله .
ولكن لماذا قال الحق: {وَمَا فِيهِنَّ} على الرغم من أن الحق استخلف الإنسان في الأرض ، والإنسان عاقل وكان من حقه أن يُغلب فيأتي القول: ومن فيهن ؛ لأن (مَن) للعاقل ، لقد أراد الحق بذلك أن ينبئنا أن الكل أصبح لا اختيار له ، وأصبح مقهوراً على المراد منه فقد تساوى الجميع عاقلهم وغير عاقلهم فيقول لنا: {وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} .
وبهذه الآية ختمت سورة المائدة . وهي سورة مدنية ، وهي من آخر ما نزل من القرآن الكريم ، وفيها التشريع . وفيها التكاليف . وفيها الأحكام . وفيها ما يتعلق بكل السور المدنية من بيان اعوجاج أهل الكتاب .
ومن بعد ذلك جاءت سورة الأنعام ، وهي مكية . وجاءت المكية بعد المدنية في الترتيب المصحفي حسب ما انتهى إليه آخر عرض للقرآن في آخر رمضان من حياة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم مع جبريل عليه السلام . ومن المعلوم أن القرآن له"ترتيب نزولي"و"ترتيب مصحفي". والترتيب النزولي حسب ما نزلت سورة القرآن في مكة أو المدنية . ورب قائل يقول: إن الحق أنزل هذا القول الكريم فوق عرفات وهو قوله سبحانه: {اليوم أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي} [المائدة: 3] .
فكيف يقال ذلك؟