(قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ) س بحانك معناها تنزيها لك عن هذا القول وتقديسا، وهي منصوبة على أنها مصدر لفعل محذوف، وتصدير سيدنا عيسى في ذلك اليوم المشهود - كلامه بذلك للدلالة على أنه أمر لا يليق في ذاته، فلا يمكن أن يصدر عن عاقل يعي ما يقول ويدركه، ففيه نفي مطلق للشرك وبيان للنزاهة والتقديس، وأنه هو الذي يسبح له وحده ثم بعد هذا التنزيه المطلق الذي كان نفيا مطلقا، أخذ ينفي عن نفسه هذا الكلام المحال، فنفي عنه بأنه ليس من شأنه أن يقول مثل هذا القول، بل ذكر استحالة أن يصدر عنه، وقال: (مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ) . وفي هذا تأكيد للنفي من وجوه ثلاثة:
أولها - أنه نفَى أن يكون شأنه ذلك القول، فلا يمكن أن يصدر عنه، فهو لم ينف القول فقط، بل نفَى احتمال أن يقول، ونفَى احتمال القول أقوى في الدلالة من نفي المقولة.
ثانيها - أن كلامه يدل على أن ذلك غير معقول في ذاته، فكيف يقول.
ثالثها - أنه أثبت أنه مستحيل قوله لأنه ليس بحق. (إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ) . هذه الجملة تأكيد لنفي ما سئل. عنه، وهو أنه قال: (اتَّخِذُونِي وَأمِّيَ إِلَهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ) .