قوله تعالى فيما حكاه عن عبده ورسوله عيسى - عليه السَّلام -: (إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ ...(118) .
وقرأ طلحة:"إن تعذبهم فعبادك"بإسقاط"إنهم"أي: إن لك تعذيبهم بحق ملكك فتفعل ما تشاء.
ويمكن أن يكون معنى قوله - عليه السَّلام - (إِنْ تُعَذِّبْهُمْ) أي: بالقتل والسبي والخزي
والغلبة (وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ) أي: بأن تتوب عليهم بالإيمان والإسلام(فَإِنَّكَ أَنْتَ
الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ)فهذا مما تقدم ذكره يدل على أن التقدير يكون عند
نزوله - عليه السلام - ، ولا يقبل منهم يومئذٍ إلا الإسلام والتوبة، أو القتل والانتقام منهم
وصفهم بالعزة، وبأنه لا يغفر أن يشرك به ووصفه بالحكمة، فيكون ذلك تقدير
للحاضرين، ثم يقررون في القيامة، لتوبيخ من كان رفعه - عليه السلام - ومن نزوله إلى
الأرض.
ألا تسمعه - عليه السَّلام - يقول:(مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ
وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ)في الغيبة
(وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ) .
يريد - عليه السَّلام - من هو عندك بالرفع أو بالشهادة أو بوفاة الموت، ومن هو في دار
الدنيا لم يخرج منها بعد (إِنْ تُعَذِّبْهُمْ) الآن، أي: بالسيف والأسر والجلاء، وفي
الآخرة بالنار (فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ) أي: ملكك تفعل بهم ما تشاء (وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ)
أي: تتوب عليهم، وتدخلهم بذلك في الإسلام.
وفي هذا إشارة إلى الترحم والشفاعة لهم، ولو كان ذلك يوم الحساب الآجل
لم يعرض بالاسترحام ولا بذكر مغفرة، وإنما يخاطب رب العزة - جلَّ جلالُه - وتعالى علاؤه
وشأنه عباده من الدار الآخرة، فلذلك يقول - جلَّ جلالُه - بلفظ المستقبل، إذ كل شيء هو
سواء في حقه الماضي والمستقبل.
كذلك قول إبراهيم - عليه السَّلام -: (رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ) يعني: الأصنام
(فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي) أي: من تبعني على الولاية العليا وابتغاء الخلة، فإنه مني