كذلك قال - جلَّ قوله - لعيسى ابن مريم:(يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ
لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ)تقرير وتوبيخ منه لمن في
الأرض يومئذٍ من الذين غلوا في أمره، وقالوا فيه بأهوائهم ما لم ينزل الله به من
سلطان، وما ليس لهم به علم، فسبح الله جل ذكره عبده ورسوله عيسى ابن مريم
-عليه السلام - عندما قذفوه من افترائهم بقوله:(سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي
بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ)فاستشهد - عليه السَّلام - بالعليم الخبير - عز وجل -(إِنْ
كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ). انتهى.
(فصل)
يتخرج تسبيحه ربه جل وعز - عليه السلام - على وجهين:
أحدهما: لما ذكروه به وأنه دعا إلى نفسه، وهذه عظيمة قذفوه بها، فسبح الله
جلَّ ذكره لكونه رسولاً نبيًّا روح الله وكلمته، كما سبح الله نفسه - عز وجل - عند ذكر أم
المؤمنين بإفك وبهتان، فقال جلَّ قوله: (وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ
نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ (16) . ويمكن أن يكون تسبيحه ربه - عز وجل -
صلوات الله وسلامه عليه تنزيهًا له، وإجلالاً لجلاله، وإعظامًا لقدره، ورهبةً من عليِّ
شأنه أن يكون له أو معه في الإمكان، أو في الوجود إله سواه سبحانه وله الحمد، لا
إله إلا هو العلي الكبير.
قوله - جلَّ جلالُه - فما حكاه عنه:(تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ
عَلَّامُ الْغُيُوبِ)أي: تعلم سري وجهري، وظاهري وباطني؛ وما
يسمى منه نفس (أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ(14) . ولا أعلم ما في نفسك
كقوله جل قوله: (وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ) .
وكقوله جلَّ قوله: (وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ) .
وقوله جلَّ قوله: (هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ) .